وحاصل هذا القول: أنَّ مَن تركها فاته أجرُها. ولفظ الحديث ومعناه يأبى ذلك، ويفيد١ حُبُوط عملٍ قد ثَبَت وفُعِل، وهذا حقيقة الحُبُوط في اللُّغة والشَّرع. ولا يُقَال لمن فاتَه ثواب عمَلٍ من الأعمال: إنَّه قد حبِط عملُه، وإنَّما يُقَال: فاتَه أجر ذلك العمل.
وقالت طائفةٌ: يحبط٢ عمل ذلك اليوم، لا جميع عمله؛ فكأنَّهم استصعبوا حبوط الأعمال الماضية كلِّها بترك صلاةٍ واحدةٍ، وتركها عندهم ليس برِدَّةٍ تُحْبِط٣ الأعمال، فهذا الذي اسْتَشْكله هؤلاء هو واردٌ عليهم بعينه في حبوط عمل ذلك اليوم.
والذي يظهر في الحديث - والله أعلم بمراد رسوله - أنَّ التَّرك نوعان:
تركٌ كُلِّيٌ، لا يصلِّيْها أبدًا؛ فهذا يُحبِط العمل جميعه. وتركٌ معيَّنٌ، في يوم معيَّنٍ؛ فهذا يُحبِط عمل ذلك اليوم. فالحبوط العامُّ في مقابلة التَّرك العام، والحبوط المعيَّن في مقابلة التَّرك المعيَّن.
فإنْ قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الرِّدَّة؟ قيل: نعم، قد دلَّ القرآن، والسُّنَّة، والمنقول عن الصَّحابة: أنَّ السَّيِّئات تحبط٤ الحسنات، كما
وقالت عائشة لأمِّ ولد زيد٢ بن أرقم: "أخبري زيدًا أنَّه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إلَّا أنْ يتوب"٣، لمَّا باع بالعِيْنة.
وقد نصَّ الإمام أحمد على هذا، فقال: "ينبغي للعبد في هذا الزَّمان
(١) ض وس: "تذهب".
(٢) س وط: "لأم زيد". خطأٌ.
(٣) أخرجه الدَّارقطني في سننه (٣/ ٥٢)، والبيهقي في الكبرى (٥/ ٣٣١) من طريق يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي عن أُمِّه العالية عن عائشة به. وأخرجه عبد الرزاق (٨/ ١٨٤)، وغيره، من طرقٍ عن أبي إسحاق السَّبيعي عن زوجه العالية عن عائشة به. وقد أعلَّه الشَّافعي في الأم (٤/ ٧٤) ثم الدارقطني بجهالة العالية بنت أيفع امرأة أبي إسحاق، وأنَّ المجهولة لا يحتجُّ بها. وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٢/ ٥٥٨): "هذا إسنادٌ جيِّدٌ، وقول الدَّارقطني فيه نَظَرٌ". وقد احتجَّ من صحَّحه بأنَّ الحديث محفوظٌ، إذ رواه عن العالية ثقتان، زوجها أبوإسحاق وابنها، وأنَّه لا يُعلم فيها جرحٌ، فجهالتها ترتفع به، مع تصديق زوجها وابنها لها. وتُنْظَر: حاشية المصنِّف على سنن أبي داود (٩/ ٢٤٠).