خصَّها بالذِّكر في الحديث الآخر، وهو قوله: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنَّما وُتِر أهلَه ومالَه"١. أي: فكأنَّما سُلِبَ أهلَه ومالَه، فأصبح بلا أهلٍ ولا مالٍ.
وهذا تمثيلٌ لحبوط٢ عمله بتركها؛ كأنَّه شبَّه أعماله الصالحة في انتفاعه بها وتمتُّعه بها٣ بمنزلة أهله وماله، فإذا ترك صلاة العصر فهو كَمَنْ له أهلٌ ومالٌ، فخرج من بيته لحاجةٍ - وفيه أهله وماله - فرجع وقد اجْتِيْحَ الأهلُ والمالُ، فبقي وِتْرًا دونهم، ومَوْتُورًا بفقدهم. فلو بقيت عليه أعماله الصالحة لم يكن التَّمثيل مطابقًا.
والخاص حبوط السيئات والحسنات بعضها ببعضٍ، وهذا حبوطٌ مقيَّدٌ جزئيٌّ، وقد تقدَّم دلالة القرآن والسُّنَّة والآثار وأقوال الأئمَّة عليه.
ولمَّا كان الكفر والإيمان كُلٌّ منهما يُبْطِل الآخرَ ويذهِبُه كانت
(١) أخرجه البخاري (٥٥٢)، ومسلم (٦٢٦)، من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) ض: "بحبوط".
(٣) ط: "بانتفاعه .. "، وليس في ض: "بها" الثانية.
شُعب١ كلِّ واحدٍ منهما لها تأثير٢ في إذهاب بعض شعب الآخر، فإنْ عظمت الشُّعبة أذْهَبَت في مقابلتها شعبًا٣ كثيرة.
وتأمَّل قول أم المؤمنين في مُسْتَحلِّ العِيْنة: "إنَّه قد أبْطَل جهادَه مع رسول الله ﷺ"٤، كيف قويت٥ هذه الشُّعبة التي أذن الله فاعلها بحربه وحرب رسوله ﷺ على إبطال محاربة الكفار. فأبطل الحِرابُ٦ المكروهُ الحِرابَ المحبوبَ، كما تُبْطِل٧ محاربةُ أعدائِه التي يحبُّها محاربَتَه التي يبغضُها. والله المستعان.
فصْلٌ
وأمَّا المسألة السَّادسة٨: التي٩ هي قوله: "هل تُقْبَل صلاة اللَّيل بالنَّهار، وصلاة النَّهار باللَّيل، أم لا؟ ". فهذه المسألة لها صورتان:
(١) ض: "ويبطله كانت .. "، س: "ويذهبه فشعب"، هـ وط: "وكانت شعبة".