وفي "صحيحه"١ أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من نسي الصَّلاة فليصلِّها إذا ذكرها؛ فإنَّ الله قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾[طه/١٤] ".
وعند الدَّارقطني٢ في هذا الحديث: "من نَسِيَ صلاةً فوقتها إذا ذكرها". وهذه الألفاظ صريحةٌ في الوجوب على الفور.
قالوا: وأمَّا ما استدلَلْتُم به على جواز التَّأخير فإنَّما يدلُّ على التَّأخير اليسير، الذي لا يصير صاحبه مهملًا، معرضًا عن القضاء، بل٣ يفعله لتكميل الصلاة؛ من اختيار بقعةٍ على بقعةٍ، وانتظار رفقةٍ أوجماعةٍ يكثِّر بهم أجر٤ الصلاة ونحو ذلك، من تأخيرٍ يسيرٍ لمصلحتها وتكميلها. فكيف يؤخذ من هذا التَّأخير اليسير لمصلحتها جواز تأخيرها سنين عددًا!
وقد نصَّ الإمام أحمد على أنَّ المسافر إذا نام في منزله عن الصَّلاة حتى فاتت أنَّه يستحبُّ له أنْ ينتقل عنه إلى غيره، فيقضيها فيه؛
وإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف المقيَّدة؟ ولهذا أوجب الفوريَّة في المقيَّدة أكثرُ مَنْ نفاها في المطلقة.
وأمَّا ما تمسَّكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ السُّنَّة فرَّقت بين الموضعين؛ فجوَّزت تأخير قضاء رمضان، وأوجبت فعل المنسيَّة عند ذكرها، فليس لنا أنْ نجمع ما٣ فرَّقت السُّنَّة بينهما.
الثَّاني: أنَّ هذا القياس حُجَّة عليهم، فإنَّ تأخير رمضان إنَّما يجوز إذا لم يأتِ رمضان آخر، وهم يجوِّزون تأخير الفائتة وإنْ أتى عليها أوقات صلواتٍ كثيرة، فأين القياس؟
وأمَّا قولهم: لو وجب الفور لما جاز التَّأخير لأجل الشيطان٤ فقد تقدَّم جوابه. وهو: أنَّ الموجبين للفور٥ يجوِّزون التَّأخير اليسير
(١) "للخبر" ليست في س.
(٢) المغني لابن قدامة (٢/ ٣٤٧)، والشرح الكبير لابن أبي عمر (٣/ ١٩٣).