وإذا كانت أوامر الله ورسوله المطلقة على الفور فكيف المقيَّدة؟ ولهذا أوجب الفوريَّة في المقيَّدة أكثرُ مَنْ نفاها في المطلقة.
وأمَّا ما تمسَّكوا به من القياس على قضاء رمضان فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ السُّنَّة فرَّقت بين الموضعين؛ فجوَّزت تأخير قضاء رمضان، وأوجبت فعل المنسيَّة عند ذكرها، فليس لنا أنْ نجمع ما٣ فرَّقت السُّنَّة بينهما.
الثَّاني: أنَّ هذا القياس حُجَّة عليهم، فإنَّ تأخير رمضان إنَّما يجوز إذا لم يأتِ رمضان آخر، وهم يجوِّزون تأخير الفائتة وإنْ أتى عليها أوقات صلواتٍ كثيرة، فأين القياس؟
وأمَّا قولهم: لو وجب الفور لما جاز التَّأخير لأجل الشيطان٤ فقد تقدَّم جوابه. وهو: أنَّ الموجبين للفور٥ يجوِّزون التَّأخير اليسير
(١) "للخبر" ليست في س.
(٢) المغني لابن قدامة (٢/ ٣٤٧)، والشرح الكبير لابن أبي عمر (٣/ ١٩٣).
(٣) ض وس: "بين ما".
(٤) س: "الشياطين".
(٥) ض: "الموقتين بالفور"، س: "القائلين بالفورية".
لمصلحة التَّكميل.
وأمَّا نقضهم بخنق النَّبيِّ ﷺ الشَّيطان في صلاته١ فمِن أعجب النَّقض؛ فإنَّ التَّأخير اليسير للعدول عن مكان الشَّيطان لا تُتْرَك به الصَّلاة، ولا يذهب به وقتها، ولا يقطعها المصلِّي. بخلاف من عَرَض له الشَّيطان في صلاته؛ فإنَّه لو تركها لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها، ولعلَّه إنْ تعرَّض له في الصَّلاة الثانية٢ فيقطعها، فيترك الصلاة بالكُلِّيَّة. فأين إحدى المسألتين من الأخرى! والله أعلم.
فصْلٌ
وأمَّا الصُّورة الثَّانية، وهي: ما إذا ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، فهي مسألة عظيمة، تنازع فيها الناس. هل ينفعه القضاء ويُقْبَل٣ منه؟ أم لا ينفعه، ولا سبيل له إلى استدراكها أبدًا؟٤
فقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، ومالك٥: يجب عليه
(١) "في صلاته" ليست في س.
(٢) س: "أن يعرض .. الفايتة".
(٣) س: "وتقبل".
(٤) وقد بحثها المصنف أيضًا في مدارج السالكين (١/ ٣٨٠ - ٣٩٠).
(٥) وقد قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٣٥٧): "ولا نعلم بين المسلمين خلافًا في أنَّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها".