وأمَّا نقضهم بخنق النَّبيِّ ﷺ الشَّيطان في صلاته١ فمِن أعجب النَّقض؛ فإنَّ التَّأخير اليسير للعدول عن مكان الشَّيطان لا تُتْرَك به الصَّلاة، ولا يذهب به وقتها، ولا يقطعها المصلِّي. بخلاف من عَرَض له الشَّيطان في صلاته؛ فإنَّه لو تركها لأجله لكان قد أبطل صلاته وقطعها بعد دخوله فيها، ولعلَّه إنْ تعرَّض له في الصَّلاة الثانية٢ فيقطعها، فيترك الصلاة بالكُلِّيَّة. فأين إحدى المسألتين من الأخرى! والله أعلم.
فصْلٌ
وأمَّا الصُّورة الثَّانية، وهي: ما إذا ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، فهي مسألة عظيمة، تنازع فيها الناس. هل ينفعه القضاء ويُقْبَل٣ منه؟ أم لا ينفعه، ولا سبيل له إلى استدراكها أبدًا؟٤
فقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، ومالك٥: يجب عليه
(١) "في صلاته" ليست في س.
(٢) س: "أن يعرض .. الفايتة".
(٣) س: "وتقبل".
(٤) وقد بحثها المصنف أيضًا في مدارج السالكين (١/ ٣٨٠ - ٣٩٠).
(٥) وقد قال ابن قدامة في المغني (٣/ ٣٥٧): "ولا نعلم بين المسلمين خلافًا في أنَّ تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها".
قضاؤها، ولا يُذْهِب القضاءُ عنه إثمَ١ التفويت، بل هو مستحقٌّ للعقوبة، إلَّا أنْ يعفو الله عنه.
وقالت طائفةٌ من السَّلف والخَلَف٢: مَن تعمَّد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذرٍ يجوِّز له التَّأخير فهذا لا سبيل له إلى استدراكها، ولايقدر على قضائها أبدًا، ولا تقبل٣ منه.
ولا نزاع بينهم أنَّ التَّوبة النَّصوح تنفعه، ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمَّدَ تركها، فلا تصحُّ التوبة بدون قضائها؟ أم لا تتوقَّف التَّوبة على القضاء؛ فيحافظ عليها في المستقبل، ويستكثر من النَّوافل، وقد تعذَّرَ عليه استدراك ما مضى؟ هذا محلُّ الخلاف.
ونحن نذكر حُجج الفريقين.
قال الموجبون للقضاء: لمَّا أمر النَّبيُّ ﷺ النَّائم والنَّاسي بالقضاء ــ وهما معذوران غير مفرِّطَيْن - فإيجاب القضاء على المفرِّط العاصي أولى وأحرى.
قالوا٤: فلو كانت الصَّلاة لا تصحُّ إلَّا في وقتها لم ينفع٥