قضاؤها، ولا يُذْهِب القضاءُ عنه إثمَ١ التفويت، بل هو مستحقٌّ للعقوبة، إلَّا أنْ يعفو الله عنه.
وقالت طائفةٌ من السَّلف والخَلَف٢: مَن تعمَّد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذرٍ يجوِّز له التَّأخير فهذا لا سبيل له إلى استدراكها، ولايقدر على قضائها أبدًا، ولا تقبل٣ منه.
ولا نزاع بينهم أنَّ التَّوبة النَّصوح تنفعه، ولكن هل من تمام توبته قضاء تلك الفوائت التي تعمَّدَ تركها، فلا تصحُّ التوبة بدون قضائها؟ أم لا تتوقَّف التَّوبة على القضاء؛ فيحافظ عليها في المستقبل، ويستكثر من النَّوافل، وقد تعذَّرَ عليه استدراك ما مضى؟ هذا محلُّ الخلاف.
ونحن نذكر حُجج الفريقين.
قال الموجبون للقضاء: لمَّا أمر النَّبيُّ ﷺ النَّائم والنَّاسي بالقضاء ــ وهما معذوران غير مفرِّطَيْن - فإيجاب القضاء على المفرِّط العاصي أولى وأحرى.
قالوا٤: فلو كانت الصَّلاة لا تصحُّ إلَّا في وقتها لم ينفع٥
(١) ط: "اسم"!
(٢) سيأتي ذكر هؤلاء في كلام المصنِّف.
(٣) هـ وط: "يقبل".
(٤) "قالوا" ليست في هـ وط.
(٥) هـ وط: "تنفع".
قضاؤها بعد الوقت في حق النَّائم والنَّاسي.
قالوا: وقد صلَّى النَّبيُّ ﷺ العصر بعد المغرب يوم الخندق هو وأصحابه١. ومعلومٌ قطعًا أنَّهم٢ لم يكونوا نائمين ولا ساهين عنها، فلو اتَّفَق النِّسيان لبعضهم لم يتَّفِق للجميع.
قالوا: وكيف يكون المفرِّط بالتَّأخير أحسن حالًا من المعذور؛ فيُخَفَّف عن المفرِّط، ويُشَدَّد على المعذور!
قالوا: وإنَّما أنام الله ﷺ رسولَه وأصحابه٣ ليبيِّن للأمَّة حُكم من فاتته الصلاة، وأنَّها لا تسقط عنه بالتَّفويت، بل يتداركها٤ فيما بعد.
قالوا: وقد أَمَر النَّبيُّ ﷺ من أفطر بالجماع في رمضان أنْ يقضي يومًا مكانه٥.
قالوا: والقياس يقتضي وجوب القضاء؛ فإنَّ الأمر متوجِّهٌ على المكلَّف بفعل العبادة في وقتها، فإذا فرَّط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقطًا لفعل العبادة عنه.
(١) تقدَّم تخريجه (ص/١١١) وأنه في الصحيحين من حديث علي.
(٢) س: "أنه".
(٣) هـ وط: "والصحابة".
(٤) س: "بتداركها".
(٥) سيأتي ذكر لفظ الحديث، وإعلاله من كلام المصنِّف.