قالوا: وقد صلَّى النَّبيُّ ﷺ العصر بعد المغرب يوم الخندق هو وأصحابه١. ومعلومٌ قطعًا أنَّهم٢ لم يكونوا نائمين ولا ساهين عنها، فلو اتَّفَق النِّسيان لبعضهم لم يتَّفِق للجميع.
قالوا: وكيف يكون المفرِّط بالتَّأخير أحسن حالًا من المعذور؛ فيُخَفَّف عن المفرِّط، ويُشَدَّد على المعذور!
قالوا: وإنَّما أنام الله ﷺ رسولَه وأصحابه٣ ليبيِّن للأمَّة حُكم من فاتته الصلاة، وأنَّها لا تسقط عنه بالتَّفويت، بل يتداركها٤ فيما بعد.
قالوا: وقد أَمَر النَّبيُّ ﷺ من أفطر بالجماع في رمضان أنْ يقضي يومًا مكانه٥.
قالوا: والقياس يقتضي وجوب القضاء؛ فإنَّ الأمر متوجِّهٌ على المكلَّف بفعل العبادة في وقتها، فإذا فرَّط في الوقت وتركه لم يكن ذلك مسقطًا لفعل العبادة عنه.
(١) تقدَّم تخريجه (ص/١١١) وأنه في الصحيحين من حديث علي.
(٢) س: "أنه".
(٣) هـ وط: "والصحابة".
(٤) س: "بتداركها".
(٥) سيأتي ذكر لفظ الحديث، وإعلاله من كلام المصنِّف.
قال الآخَرون١: أوامر الرَّب ﵎ نوعان:
نوعٌ مطلقٌ، غير مؤقَّتٍ، فهذا يُفْعَل في كلِّ وقتٍ.
ونوعٌ مؤقَّت بوقتٍ محدودٍ٢، وهو نوعان:
أحدهما: ما وقْتُه بقدْرِ فعلِه، كالصَّيام.
والثَّاني: ما وقْتُه أوسع من فِعْلِه، كالصلاة. وهذا القِسم فعله في وقته شرطٌ في كونه عبادة مأمورًا بها؛ فإنَّه إنَّما أمر به على هذه الصِّفة، فلا يكون عبادةً على غيرها.
قالوا٣: فما أمر الله به في الوقت فتَرَكَه المأمورُ حتى فات وقته لم يمكن فعله بعد الوقت شرعًا، وإن أمكن حِسًّا. بل لا يمكن حسًّا أيضًا؛ فإنَّ المأتي به بعد الوقت أمرٌ غير المشروع٤.
قالوا: ولهذا لا يمكن فعل الجمعة بعد خروج وقتها، ولا الوقوف
(١) سياق المصنِّف ﵀ لأدلَّة القائلين بعدم القضاء للتارك لها عمدًا متوافق مع كثيرٍ من حجج ابن حزم في المحلَّى (٢/ ٢٣٥ - ٢٤٤) مع فوارق، وإضافات، ووجوه أخرى لم يذكرها ابن حزمٍ هناك. وسيشار إلى ذلك - إنْ شاء الله - كل في موضعه.
(٢) هـ وط: "معدود".
(٣) يُنْظَر: المحلَّى لابن حزم (٢/ ٢٣٧).
(٤) هـ: "الآتي به .. "، ط: "إتيانه به .. ". ض: " .. غير مشروع".