بالرجوع إليهم، وترك الخروج عن سبيلهم يغني عن الدَّليل في ذلك= قولُ النَّبيِّ ﷺ: "مَن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومَن أدرك ركعةً من الصبح قبل أنْ تطلع الشمس فقد أدرك الصُّبح"١. ولم يستثن متعمِّدًا من ناسٍ.
ونَقَلَت الكافَّة عنه ﷺ أنَّ من أدرك ركعةً من صلاة العصر قبل الغروب صلَّى تمام صلاته٢ بعد الغروب، وذلك بعد خروج الوقت عند الجميع. ولا فرق بين عمل صلاة العصر كلِّها لمن تعمَّد، أونسي، أوفَرَّط، وبين عمل بعضها في نظرٍ ولا اعتبار.
ودليلٌ آخر، وهو أنَّ رسول الله ﷺ لم يصلِّ هو ولا أصحابه يوم الخندق صلاة الظَّهر والعصر حتى غَرَبَت الشَّمس٣؛ لشغله بما نَصَبه٤ المشركون من الحرب، ولم يكن يومئذ نائمًا ولا ناسيًا، ولا كانت بين المسلمين والمشركين٥ يومئذٍ حربٌ قائمةٌ ملتحمةٌ، وصلَّى يومئذٍ الظهر والعصر في اللَّيل٦.
(١) تقدَّم تخريجه (ص/١٢٩)، وأنَّه في الصَّحيحين.
(٢) هـ: "تمام العصر"، ط: "تمام صلاة العصر".
(٣) تقدم تخريجه (ص/١١١) وأنه في الصحيحين.
(٤) س: "نصب له".
(٥) ط: "والكافرين".
(٦) ض وهـ وط: "باللَّيل".
ودليلٌ آخر أيضًا، وهو أنَّ رسول الله ﷺ قال بالمدينة لأصحابه يوم انصرافه من الخندق: "لا يُصلينَّ أحدٌ منكم العصر إلَّا في بني قريظة"١، فخرجوا مبادرين٢، وصلَّى بعضهم العصر دون بني قريظة؛ خوفًا من خروج وقتها المعهود، ولم يصلِّها بعضهم إلَّا في بني قريظة٣، بعد غروب الشمس؛ لقوله ﷺ: "لا يُصلينَّ أحدكم العصر إلَّا في بني قريظة".
فلم يعنِّف رسول الله ﷺ إحدى٤ الطَّائفتين، وكلُّهم غير ناسٍ ولا نائمٍ٥، وقد أخَّرَ بعضهم الصلاة حتى خرج وقتها ثم صلَّاها، وقد علم رسول الله ﷺ ذلك فلم يقل لهم: إنَّ الصَّلاة لا تصلَّى إلَّا في وقتها٦، ولا تقضى٧ بعد خروج وقتها.
(١) أخرجه البخاري (٩٤٦)، ومسلم (١٧٧٠)، من حديث ابن عمر ﵁. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: "الظهر". مع اتِّحاد مخرج الحديث عندهما! وقد بيَّن الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح (٧/ ٤٠٨) وجه الجمع بين اللَّفظتين مع اتِّحاد مخرجهما وسندهما عند الشَّيخين، فلْيراجع هناك.