فقد سمَّى رسول الله ﷺ من فعل هذا مفرِّطًا، والمفرِّط ليس بمعذورٍ، وليس كالنَّائم والنَّاسي عند الجميع من جهة العُذر، وقد أجاز رسولُ الله ﷺ صلاته على ما كان من تفريطه.
وقد رُوِي في حديث أبي قتادة هذا أنَّ رسول الله ﷺ قال: "وإذا كان الغد فليصلِّها لميقاتها"١.
وهذا أبعد وأوضح في أداء المفرِّط للصلاة عند الذِّكر وبعد الذِّكر.
وحديث أبي قتادة هذا صحيح الإسناد، إلَّا أنَّ هذا المعنى قد عارضه حديث عمران بن الحصين، في نوم رسول الله ﷺ عن٢ صلاة الصُّبح بسفره، وفيه: قالوا: يا رسول الله، ألَا نصلِّيْهَا لميقاتها من الغد؟ قال: "لا، إنَّ الله لا ينهاكم عن الرِّبا، ثم يقبله منكم! "٣.
ورُوِيَ من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ مثله. وقد ذكرنا الأسانيد
(١) جزءٌ من حديث أبي قتادة السابق عند مسلم (٦٨١)، ولفظه عنده: "فإذا كان الغد فليصلِّها عند وقتها". وسيأتي لاحقًا ما يذكره المصنِّف من إعلال الحفَّاظ لها.
(٢) هـ وط: "في".
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٤٤١)، وابن حبان (١٤١٦)، وابن خزيمة (٩٩٤)، والدارقطني (١/ ٣٨٥)، والبيهقي (٢/ ٢١٧)، والطبراني (١٨/ ١٥٧) وغيرهم، كلهم من طريق الحسن البصري عن عمران ﵁ به. وإسناده منقطعٌ، إذ لم يسمع الحسن من عمران، قاله القطان وابن المديني وأبوحاتم وأحمد وابن معين. يُنْظَر: العلل لابن المديني (ص/٥١)، وتحفة التحصيل (ص/٧١)، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (١/ ٤٩٦).
بذلك كله في "التَّمهيد"١.
وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثَّقفي - وهو مذكور في الصحابة - قال: "قدم وفد ثقيفٍ على رسول الله ﷺ فجعلوا يسألونه، فلم يصلِّ يومئذ الظُّهر إلَّا مع العصر"٢.
وأقلُّ ما في هذا أنَّه أخَّرها عن وقتها الذي كان يصلِّيها فيه لشغلٍ اشتغل به. وعبد الرحمن بن علقمة من ثقات التَّابعين وكبارهم.
وقد أجمع العلماء على أنَّ تارك٣ الصلاة عامدًا حتى يخرج وقتها عاصٍ لله. وذكَر بعضهم أنَّها كبيرةٌ من الكبائر.
وأجمعوا٤ على أنَّ على العاصي أنْ يتوب من ذنبه بالنَّدم عليه، واعتقاد ترك العود إليه. قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ
(١) (١/ ٢١٥ - ٢١٦).
(٢) أخرجه النسائي (٣٧٥٨)، وابن أبي شيبة (٣٣٤٠٢)، والطيالسي (١٤٣٣)، وغيرهم، من طريق أبي حذيفة عن عبد الملك بن محمد بن نسير عن عبد الرحمن بن علقمة بنحوه. وقد اختلف في صحبة عبد الرحمن، قال الدارقطني وابن عبد البر: لا تصحُّ له صحبة، وإن ذكره في الصَّحابة جماعة ممَّن ألف فيهم، منهم خليفة، ويعقوب بن سفيان، وابن مندة. كما في: الإصابة (٤/ ٣٣٧)، وتهذيب التهذيب (٦/ ٢١١). وأبوحذيفة وعبد الملك: مجهولان، ولم يتبيَّن سماع بعضهم من بعضٍ، كما قال البخاري في تاريخه (٥/ ٤٣١). ولذا فقد ضعَّفه الألباني في الضعيفة (٥٠١٤).