هذا على هذا في صحَّة العبادة، وقبولها منه، وبراءة١ الذِّمَّة بها من أفسد القياس.
الوجه الثَّاني: أنَّ المعذور بنومٍ أونسيانٍ لم يصلِّ الصَّلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتها الذي وقَّته الله له؛ فإنَّ الوقت في حقِّ هذا حين يستيقظ ويذكر، كما قال ﷺ: "من نَسِي صلاةً فوقتُها إذا ذَكَرها". رواه البيهقي، والدَّارقطني٢. وقد تقدَّم.
فالوقت وقتان: وقت اختيارٍ، ووقت عذرٍ.
فوقت المعذور بنومٍ أوسهوٍ هو وقت ذِكْرِه واستيقاظه؛ فهذا لم يصلِّ الصَّلاة إلَّا في وقتها، فكيف يُقَاس عليه من صلَّاها في غير وقتها عمدًا وعدوانًا!
الثَّالث: أنَّ الشَّريعة قد فرَّقت في مصادرها ومواردها بين العامد والنَّاسي، وبين المعذور وغيره، وهما ممَّا لا خفاء به؛ فإلحاق أحد النَّوعين بالآخر غير جائزٍ.
الرَّابع: أنَّا لم نسقطها عن العامد المفرِّط، ونأمر بها المعذور حتى
يكون ما ذكرتم حجَّةً علينا؛ بل ألزمنا بها المفرِّط١ المتعدِّي على وجهٍ لا سبيل له إلى استدراكها؛ تغليظًا عليه، وجوَّزنا قضاءها للمعذور غير المفرِّط.
فصْلٌ
وأمَّا استدلالكم بقوله٢ﷺ: "مَن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر"٣ فما أصحَّه من حديثٍ، وما أراه على مقتضى قولكم؛ فإنَّكم تقولون هو مدركٌ للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئا ألبتَّة. بمعنى: أنَّه مدركٌ لفعلها، صحيحة منه، مبرئة لذمَّته، فلو كانت تصحُّ بعد خروج وقتها وتُقْبَل منه لم يعلَّق٤ إدراكها بركعةٍ.
ومعلومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُرِد أنَّ من أدرك ركعةً من العصر صحَّت صلاتُه بلا إثمٍ، بل هو آثمٌ بتعمُّد ذلك اتِّفاقًا؛ فإنَّه أُمِر أنْ يوقع جميعها في وقتها.
فعُلِم أنَّ هذا الإدراك لا يرفع الإثم، بل هو مدركٌ آثمٌ، فلو كانت تصحُّ بعد الغروب لم يكن فرقٌ بين أنْ يدرك ركعةً من الوقت، أولا