يكون ما ذكرتم حجَّةً علينا؛ بل ألزمنا بها المفرِّط١ المتعدِّي على وجهٍ لا سبيل له إلى استدراكها؛ تغليظًا عليه، وجوَّزنا قضاءها للمعذور غير المفرِّط.
فصْلٌ
وأمَّا استدلالكم بقوله٢ﷺ: "مَن أدرك ركعةً من العصر قبل أنْ تغرب الشمس فقد أدرك العصر"٣ فما أصحَّه من حديثٍ، وما أراه على مقتضى قولكم؛ فإنَّكم تقولون هو مدركٌ للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئا ألبتَّة. بمعنى: أنَّه مدركٌ لفعلها، صحيحة منه، مبرئة لذمَّته، فلو كانت تصحُّ بعد خروج وقتها وتُقْبَل منه لم يعلَّق٤ إدراكها بركعةٍ.
ومعلومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُرِد أنَّ من أدرك ركعةً من العصر صحَّت صلاتُه بلا إثمٍ، بل هو آثمٌ بتعمُّد ذلك اتِّفاقًا؛ فإنَّه أُمِر أنْ يوقع جميعها في وقتها.
فعُلِم أنَّ هذا الإدراك لا يرفع الإثم، بل هو مدركٌ آثمٌ، فلو كانت تصحُّ بعد الغروب لم يكن فرقٌ بين أنْ يدرك ركعةً من الوقت، أولا
(١) "ونأمر بها .. بها المفرِّط" سقطت من س.
(٢) ط: "لقوله".
(٣) تقدَّم تخريجه (ص/١٢٩)، وأنَّه في الصَّحيحين.
(٤) ط: "يتعلق".
يدرك منه شيئًا!
فإنْ قلتم: إذا أخَّرها إلى بعد الغروب كان أعظم إثمًا.
قيل لكم: النَّبيُّ ﷺ لم يفرِّق بين إدراك١ الرَّكعة وعدمها في كثرة الإثم وخفَّته، وإنَّما فرَّق بينهما في الإدراك وعدمه. ولا ريب أنَّ المُفَوِّت لمجموعها في الوقت أعظم٢ من المُفَوِّت لأكثرها، والمُفَوِّت لأكثرها فيه أعظم من المُفَوِّت لركعةٍ منها.
فنحن نسألكم، ونقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعةٍ، أهو٣ إدراكٌ يرفع الإثم؟ فهذا لا يقوله أحدٌ. أوإدراكٌ يقتضي الصِحَّة؟ فلا فرق فيه بين أن يفوِّتَها بالكليَّة، أويفوِّتها إلَّا ركعةً منها.
فصلٌ
وأمَّا احتجاجكم بتأخير النَّبيِّ ﷺ لها يوم الخندق، من غير نومٍ ولا نسيانٍ، ثم قضاها بعدُ٤، فيُقال: يالله العجب! لو أتينا نحن بمثل هذا لقامت قيامتكم، وأقمتم قيامتنا بالتَّشنيع علينا!