فكيف تحتجُّون١ على تفويتٍ صاحبُه عاصٍ لله٢، آثمٌ، متعدٍّ لحدوده، مستوجبٌ لعقابه= بتفويتٍ صدر من أطوع الخلق لله، وأرضاهم له، وأتبعهم لأمره، وهو مطيعٌ لله في ذلك التَّأخير، متبعٌ مرضاته فيه!
وذلك التَّأخير منه صلوات الله٣ وسلامه عليه إمَّا أنْ يكون لنسيانٍ٤ منه، أويكون أخَّرها عمدًا.
وعلى التَّقديرين فلا حُجَّة لكم فيه بوجهٍ؛ فإنَّه إنْ كان نسيانًا فنحن وسائر الأمة نقول بموجبه، وأنَّ النَّاسي يصلِّيها متى ذَكَرها. وإنْ كان عامدًا فهو تأخيرٌ لها من وقتٍ إلى وقتٍ أُذِن فيه، كتأخير٥ المسافر والمعذور الظهر إلى وقت العصر، والمغرب إلى وقت العشاء.
وقد اختلف النَّاس فيمَنْ أدركته الصلاة وهو مشغولٌ بقتال العدو، على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّه يصلِّي حال القتال على حسب حاله، ولا يؤخِّر الصلاة.
(١) هـ وس: "يحتجون".
(٢) هـ: "عاص الله".
(٣) ط زيادة: "عليه".
(٤) هـ: "نسيانًا"، ط: "نسيان".
(٥) ض: "يؤخر"، س: "كما يؤخر".
قالوا: وتأخير يوم١ الخندق منسوخٌ. وهذا مذهب مالك٢، والشافعي٣٤، والإمام أحمد في المشهور عنه من مذهبه٥.
الثَّاني: أنَّها تؤخَّر كما أخَّر٦ النَّبيُّ ﷺ يوم الخندق. وهذا مذهب أبي حنيفة٧.
والأوَّلون يجيبون عن هذا: بأنَّه كان قبل أنْ تُشْرع صلاة الخوف، فلمَّا شُرِعت صلاة الخوف لم يؤخِّرْها بعد ذلك في غزاةٍ واحدةٍ٨.
والحنفيَّة تجيب عن ذلك بأنَّ صلاة الخوف إنَّما شُرِعَت على تلك الوجوه ما لم يلتحم القتال؛ فإنَّه٩ يمكنهم أنْ يصلُّوا صلاة الخوف كما أمر الله سبحانه؛ بأنْ يقوموا صفَّين، صفًّا١٠ يصلُّون، وصفًّا يحرسون.