فالتَّأخير وقع حال الاشتغال بالقتال، وصلاة الخوف شُرِعت حال المواجهة قبل الاشتغال بالقتال، فهذا له موضع، وهذا له موضع.
وهذا في القوَّة٢ كما ترى.
وقالت طائفةٌ ثالثةٌ: يخيَّر بين تقديمها والصَّلاة على حسب حاله، وبين تأخيرها حتى يتمكَّن من فعلها. وهذا مذهب جماعةٍ من الشَّاميين٣، وهو إحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمد٤.
لأنَّ الصَّحابة فعلوا هذا وهذا٥ في قصَّة بني قريظة، كما سنذكره٦ بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
وعلى الأقوال الثَّلاثة فلا حُجَّة للعاصي، المفرِّط، المتعدِّي، الذي قد باء بعقوبة الله وإثم التَّفويت في ذلك بوجهٍ من الوجوه. وبالله التوفيق.
(٣) هو قول الأوزاعي، كما في الاستذكار لابن عبد البر (٧/ ٨١، ٨٢).
(٤) الإنصاف للمرداوي والشرح الكبير لابن أبي عمر (٥/ ١٤٦).
(٥) "وهذا" ليست في هـ.
(٦) ط وس: "سنذكر".
فصلٌ
وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بتأخير الصَّحابة العصر إلى بعد غروب الشمس١ عمدًا؛ حين قال النَّبيُّ ﷺ: "لا يصلينَّ أحدٌ٢ العصر إلَّا في بني قريظة"٣. فأدْرَكَت طائفةٌ الصلاة في الطَّريق، فقالوا: لم يُرِد منَّا تأخيرها، فصلَّوها في الطريق. وأبَت طائفةٌ أخرى أنْ تصلِّيها إلَّا في بني قريظة، فصلَّوها بعد العشاء٤.
فما عنَّف رسول الله ﷺ واحدة٥ من الطَّائفتين. فإنَّ الذين أخَّروها كانوا مطيعين لرسول الله ﷺ، معتقدين وجوب ذلك التَّأخير، وأنَّ وقتها الذي أُمِرُوا به حيث أدركهم في بني قريظة.
فكيف يُقَاس العاصي المتعدِّي لحدود الله على المطيع له، الممتثل لأمره. فهذا من أبْطَل قياسٍ في العالم وأفسده. وبالله التوفيق.
(١) س: "الغروب".
(٢) ض: "أحدكم".
(٣) تقدَّم تخريجه (ص/١٥٣).
(٤) روايات الحديث في كتب السُنَّة: أنَّ الصَّحابة ﵃ أدركتهم صلاة العصر عند الغروب، وليس فيها أنَّ الآخرين صلَّوها بعد المغرب أوالعشاء. ولكن عند ابن إسحاق في السِّيرة: أنَّهم صلوها في وقت العشاء، وعند موسى بن عقبة: أنَّهم صلوها بعد أنْ غابت الشمس. يُنْظَر: السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٣٣)، والفتح لابن حجر (٧/ ٤١٠).