الصلاة

فصلٌ

وبهذا خرج الجواب عن استدلالكم بتأخير الصَّحابة العصر إلى بعد غروب الشمس١ عمدًا؛ حين قال النَّبيُّ ﷺ: "لا يصلينَّ أحدٌ٢ العصر إلَّا في بني قريظة"٣. فأدْرَكَت طائفةٌ الصلاة في الطَّريق، فقالوا: لم يُرِد منَّا تأخيرها، فصلَّوها في الطريق. وأبَت طائفةٌ أخرى أنْ تصلِّيها إلَّا في بني قريظة، فصلَّوها بعد العشاء٤.

فما عنَّف رسول الله ﷺ واحدة٥ من الطَّائفتين. فإنَّ الذين أخَّروها كانوا مطيعين لرسول الله ﷺ، معتقدين وجوب ذلك التَّأخير، وأنَّ وقتها الذي أُمِرُوا به حيث أدركهم في بني قريظة.

فكيف يُقَاس العاصي المتعدِّي لحدود الله على المطيع له، الممتثل لأمره. فهذا من أبْطَل قياسٍ في العالم وأفسده. وبالله التوفيق.

  1. (١) س: "الغروب".
  2. (٢) ض: "أحدكم".
  3. (٣) تقدَّم تخريجه (ص/١٥٣).
  4. (٤) روايات الحديث في كتب السُنَّة: أنَّ الصَّحابة ﵃ أدركتهم صلاة العصر عند الغروب، وليس فيها أنَّ الآخرين صلَّوها بعد المغرب أوالعشاء. ولكن عند ابن إسحاق في السِّيرة: أنَّهم صلوها في وقت العشاء، وعند موسى بن عقبة: أنَّهم صلوها بعد أنْ غابت الشمس. يُنْظَر: السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٣٣)، والفتح لابن حجر (٧/ ٤١٠).
  5. (٥) ض: "النبي ﷺ .. ". س: " .. أحدًا".
189

وقد فضَّلت طائفةٌ من العلماء الذين أخَّروها إلى بني قريظة على الذين صلَّوها في الطريق. قالوا: لأنَّهم امتثلوا أمر رسول الله ﷺ على الحقيقة، والآخرون تأوَّلوا؛ فصلَّوها في الطريق.

فصلٌ

وأمَّا استدلالكم بأمر النَّبيِّ ﷺ أنْ يصلِّي نافلةً١ مع الأمراء الذين كانوا يضيِّعون الصلاة عن وقتها، ويصلُّونها في غير الوقت= فلا حُجَّة فيه٢؛ لأنَّهم لم يكونوا يؤخِّرون صلاة النَّهار إلى اللَّيل، ولا صلاة اللَّيل إلى النَّهار؛ بل كانوا يؤخِّرُون صلاة الظهر إلى وقت العصر، وربَّما كانوا يؤخِّرون العصر إلى وقت الاصفرار.

ونحن نقول: إنَّه متى أخَّر إحدى صلاتَي الجَمْع إلى وقت الأخرى صلَّاها في وقت الثَّانية وإنْ كان غير معذورٍ. وكذلك إذا أخَّر العصر إلى الاصفرار٣؛ بل إلى أنْ يبقى منها قدر ركعةٍ، فإنَّه يصلِّيها بالنَّص.

وقد جَمَع النَّبيُّ ﷺ بالمدينة، من غير خوفٍ ولا مطرٍ؛ أراد أنْ لا يُحْرِج أُمَّته٤. فهذا التَّأخير لا يمنع صِحَّة الصلاة.

  1. (١) هـ وط: "تصلى". وليس في س: "نافلة".
  2. (٢) ض: "حجة به".
  3. (٣) جملة: "ونحن نقول: إنَّه .. إلى الاصفرار" سقطت من س.
  4. (٤) يشير إلى ما أخرجه مسلم (٧٠٥) وغيره، من حديث ابن عباس ﵁ بلفظ: "جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة .. " الحديث.
190

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي