الصلاة عن وقتها= تصحُّ منه بعد الوقت، وتبْرأ ذِمَّته منها، وهي أهلٌ أن تقبل منه؟
وكأنَّكم فهمتم من قوله: "فإذا كان الغد فليصلِّها لميقاتها" أمره بتأخيرها إلى الغد! وهذا باطلٌ قطعًا، لم يُرِدْه رسول الله ﷺ، والحديث صريحٌ في إبطاله؛ فإنَّه أمَرَه أنْ يصلِّيها١ إذا استيقظ أو ذَكَرها.
ثم رُوِي في تمام الحديث هذه الزِّيادة، وهي قوله: "فإذا كان من الغد فلْيُصلِّها لميقاتها". وقد اختلف النَّاس في صحَّة هذه الزِّيادة ومعناها.
فقال بعض الحفَّاظ: هذه الزِّيادة وهمٌ من عبد الله بن رباح، الذي روى الحديث عن أبي قتادة، أومن أحد الرُّواة.
وقد حُكِي٢ عن البخاري٣ أنَّه قال: لا يُتَابَع في قوله: "فليُصلِّ إذا ذكرها ولوقتها٤ من الغد".
وقد روى الإمام أحمد في "مسنده"٥ عن عِمران بن حُصَين قال:
(١) ط: "يصلها".
(٢) هـ وط: "روي".
(٣) التاريخ الكبير (٥/ ٨٤)، وأسنده عنه أيضًا البيهقي في الكبرى (٢/ ٢١٦).
(٤) ض: "فليصلي .. ". هـ وط: "لوقتها" دون واو. وما أثبتُّه - بالواو - موافق للفظه في التاريخ، ولما أسنده عنه البيهقي.
سِرْتُ مع رسول الله ﷺ، فلمَّا كان من١ آخر اللِّيل عرَّسنا، فلم نستيقظ حتى أيقظتنا٢ الشمس، فجعل الرجل يقوم دَهَشًا٣ إلى طهوره. فأمَرَهم النَّبيُّ ﷺ أنْ يسكنوا، ثم ارتحل، فسرْنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضَّأ، ثمَّ أمر بلالًا فأذَّن، ثمَّ صلَّى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام، فصلَّينا. فقالوا: يارسول الله ﷺ، ألَا نعيدها في وقتها من الغد؟ قال: "أينهاكم٤ ربُّكم ﵎ عن الرِّبا، ويقبله منكم! ".
قال الحافظ أبوعبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي٥: "وفي هذا دليلٌ على ما قال البخاري؛ لأنَّ عمران بن الحصين كان حاضرًا، ولم يذكر ما قال عبد الله بن رباح عن أبي قتادة".
وعندي أنَّه لا تعارض٦ بين الحديثين، ولم يأمر رسول الله ﷺ بإعادتها من الغد، وإنَّما الذي أَمَرَ به فعلَ الثانية في وقتها، وأنَّ الوقت لم يسقط بالنَّوم والنِّسيان، بل عاد إلى ما كان عليه. والله أعلم.
(١) ض وس: "في".
(٢) ط: "العصنا". تحريفٌ!
(٣) قال الفيومي في المصباح (١/ ٢٠٢): "دَهِشَ دَهَشًا، من باب تَعِب: ذهب عقله حياءً أو خوفًا".