قوله: "وقد روى عبد الرحمن بن علقمة الثَّقفي قال: قَدِم وفد ثقيفٍ على رسول الله ﷺ، فجعلوا يسألونه، فلم يصلِّ يومئذٍ الظهر إلَّا مع العصر .. " إلى آخره.
فقد تقدَّم جواب هذا وأمثاله مرارًا، وأنَّ هذا التَّأخير كان طاعةً لله تعالى وقُربةً. وغايته أنَّه جمع بين الصَّلاتين١ لشغلٍ مهمٍّ من أمور المسلمين، فكيف يصحُّ إلحاق تأخير المتعدِّي لحدود الله به؟
ولقد ضعفت مسألةٌ تُنْصَر بمثل هذا!
قوله: "وليس ترك الصلاة حتى يخرج وقتها عمدًا مذكورًا عند الجمهور في الكبائر".
فيُقَال: يالله العجب! وهل تَقْبَل هذا المسألة نِزاعًا؟ وهل ذلك إلَّا من أعظم الكبائر، وقد جعل رسول الله ﷺ تفويت صلاة العصر محبِطًا للعمل!
فأيُّ كبيرةٍ تقوى على إحباط العمل سوى تفويت الصلاة!
وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: "الجمع بين الصَّلاتين من غير عذرٍ من٢ الكبائر"٣. ولم يخالفه صحابيٌّ واحد في ذلك، بل الآثار الثابتة عن الصحابة كلُّها توافق ذلك.
(١) س: "صلاتين".
(٢) هـ: "كبيرة من".
(٣) تقدم تخريجه (ص/١٢٨).
هذا والجامع بين الصَّلاتين قد صلَّاهما في وقت إحداهما للعذر١. فماذا نقول٢ فيمن صلَّى الصبح في وقت الضُّحى عمدًا وعدوانًا، والعصر نصف اللَّيل من غير عذرٍ؟ وقد صرَّح الصِّدِّيق أنَّ الله لا يقبل هذه الصَّلاة٣. ولم يخالف الصِّدِّيق صحابيٌّ واحد.
وقد توعَّد الله سبحانه بالويل والغيِّ لمن سها عن صلاته وأضاعها. وقد قال الصَّحابة - وهم أعلم الأمَّة بتفسير الآية ـ: إنَّ ذلك تأخيرها عن وقتها. كما تقدَّم حكايته٤.
ويا لله العَجَب! أيُّ كبيرةٍ أكبر من كبيرةٍ تُحْبِط العمل، وتجعل الرجل بمنزلة من قد وُتِر أهلَه ومالَه. وإذا لم يكن تأخير صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وتأخير صلاة اللَّيل إلى النَّهار من غير عذرٍ من الكبائر= لم يكن فطر شهر رمضان من غير عذرٍ ويصوم بدله شوال من الكبائر٥.
ونحن نقول: بل ذلك أكبر من كُلِّ كبيرةٍ بعد الشِّرك بالله، ولَأَنْ يلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشِّرك به خير له من أن يؤخِّر صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وصلاة اللَّيل إلى النَّهار، عدوانًا عمدًا بلا عذرٍ.
(١) ض وس: "للمعذور".
(٢) ض وهـ: "تقول".
(٣) تقدم سياقه وتخريجه (ص/١٣٩ - ١٤٠).
(٤) (ص/٥٢).
(٥) هـ: "من شوال .. ". وجملة: "لم يكن فطر .. الكبائر" سقطت من س.