هذا والجامع بين الصَّلاتين قد صلَّاهما في وقت إحداهما للعذر١. فماذا نقول٢ فيمن صلَّى الصبح في وقت الضُّحى عمدًا وعدوانًا، والعصر نصف اللَّيل من غير عذرٍ؟ وقد صرَّح الصِّدِّيق أنَّ الله لا يقبل هذه الصَّلاة٣. ولم يخالف الصِّدِّيق صحابيٌّ واحد.
وقد توعَّد الله سبحانه بالويل والغيِّ لمن سها عن صلاته وأضاعها. وقد قال الصَّحابة - وهم أعلم الأمَّة بتفسير الآية ـ: إنَّ ذلك تأخيرها عن وقتها. كما تقدَّم حكايته٤.
ويا لله العَجَب! أيُّ كبيرةٍ أكبر من كبيرةٍ تُحْبِط العمل، وتجعل الرجل بمنزلة من قد وُتِر أهلَه ومالَه. وإذا لم يكن تأخير صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وتأخير صلاة اللَّيل إلى النَّهار من غير عذرٍ من الكبائر= لم يكن فطر شهر رمضان من غير عذرٍ ويصوم بدله شوال من الكبائر٥.
ونحن نقول: بل ذلك أكبر من كُلِّ كبيرةٍ بعد الشِّرك بالله، ولَأَنْ يلقى اللهَ العبدُ بكلِّ ذنبٍ ما خلا الشِّرك به خير له من أن يؤخِّر صلاة النَّهار إلى اللَّيل، وصلاة اللَّيل إلى النَّهار، عدوانًا عمدًا بلا عذرٍ.
(١) ض وس: "للمعذور".
(٢) ض وهـ: "تقول".
(٣) تقدم سياقه وتخريجه (ص/١٣٩ - ١٤٠).
(٤) (ص/٥٢).
(٥) هـ: "من شوال .. ". وجملة: "لم يكن فطر .. الكبائر" سقطت من س.
وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن سليمان بن يسار عن المسور ابن مخرمة١ أنَّه دخل مع ابن عباس على عمر حين طُعِنَ، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين، الصَّلاة! فقال: "أجل٢، أُصَلِّي؛ إنَّه لا حظَّ في الإسلام لمن أضاع الصلاة"٣.
وقال إسماعيل بن عُليَّة عن أيوب عن محمد بن سيرين قال: "نُبِّئتُ أنَّ أبا بكر وعمر كانا يعلِّمان الناس الإسلام؛ تعبد الله، ولاتشرك به شيئًا، وتقيم الصَّلاة٤ التي افترض الله بمواقيتها، فإنَّ في تفريطها الهلكة"٥.
وقال محمد بن نصر المروزي٦: "وسمعت إسحاق يقول: صحَّ عن رسول الله ﷺ أنَّ تارك الصلاة كافرٌ. وكذلك كان رأي أهل العلم، من لدن النَّبيِّ ﷺ٧ إلى يومنا هذا: أنَّ تارك الصلاة عمدًا من غير عُذرٍ
(١) س: "وروى هشام عن سلمان عن المستور". تحريفٌ!
(٢) "أجل" ليست في س.
(٣) تقدَّم تخريجه (ص/١٤، ٧٩).
(٤) ض: "يعبد .. يشرك .. يقيم" بالياء في كلها.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٣١٣٢)، وعبد الرزاق (٢٠٦٨٣)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٩٣٢)، وغيرهم، من طريق أيوب عن ابن سيرين نحوه. وهو ظاهر الانقطاع، لقوله: "نُبِّئتُ".