وإنْ أردتم بذلك الاستدلالَ بالاستصحاب، وأنَّ الصلاة كانت في ذِمَّته بإجماعٍ، فلا تسقط إلَّا بإجماعٍ، وهو مفقود١ = قيل لكم: ومن ذا٢ الذي قال بسقوطها من ذِمَّته بالتَّأخير، وأنَّ ذمته قد برئت منها! فمَن قال بهذا فقوله أظهر بطلانًا من أنْ يحتاج٣ إلى دليلٍ عليه.
والذي يقول منازعوكم: إنَّها قد استقرَّت في ذِمَّته على وجهٍ لا سبيل له إلى أدائها واستدراكها، إلَّا بعود ذلك الوقت بعينه. وهذا محالٌ!
ثم يُعَارَضُ هذا الإجماع بإجماعٍ مثله أوأقوى منه؛ فنقول٤: أجمع المسلمون على أنَّه عاصٍ، متعدٍّ، مفرِّطٌ بإضاعة الوقت. فلا يرتفع هذا الإجماع إلَّا بإجماعٍ مثله، أو أقوى منه.
فنقول:٥ ولم يجمعوا على أنَّه يرتفع عنه الإثم والعدوان بالفعل بعد الوقت؛ بل لعلَّ هذا لم يقله أحدٌ.
فهذا ما يتعلَّق بالحِجَاج من الجانبين.
(١) ض: "يسقط .. ". س: " .. مقصود".
(٢) "ذا" ليست في ض وس.
(٣) ط: "نحتاج".
(٤) ض وط: "ثم تعارض .. ". س: " .. فيقول".
(٥) "إلَّا بإجماعٍ" ليست في هـ. وكذا: "أو أقوى منه، فنقول" ليست في هـ وط.
وليس لنا غرضٌ فيما وراء ذلك. وقد بان مَنْ هو أسعد بالكتاب والسُّنَّة وأقوال السَّلف في هذه المسألة. والله المستعان.
فصلٌ
فإنْ قيل: فقد أمر النَّبيُّ ﷺ المفطر١ متعمِّدًا في نهار٢ رمضان بالقضاء في موضعين:
أحدهما: المجامِع. والثَّاني: المستقيء.
ففي "السُّنن"٣، من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ، قد جامع أهله في رمضان .. فذكر الحديث، وقال فيه: فأُتِيَ بعَرَقٍ٤ فيه تمرٌ، قدر خمسة عشر صاعًا. وفيه قال: "كُلْه أنت وأهل بيتك، وصُمْ يومًا، واستغفر الله ﷿".
وعند ابن ماجه٥: "وصُمْ٦ يومًا مكانه".
(١) س: "المفرط".
(٢) س: "في شهر".
(٣) أبوداود (٢٣٩٣) بهذا السِّياق، من طريق هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ به. وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
(٤) بفتح العين والراء، هو: المكتل الضخم المنسوج من الخوص. يُنْظَر: المصباح المنير (٢/ ٤٠٥)، والنهاية لابن الأثير (٣/ ٢١٩).
(٥) حديث (١٦٧١). من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ به. وسيأتي الكلام عليه أيضًا.