للصَّلوات١ المكتوبات، فأشبه ما وصفتُ، أنْ لا يحلَّ ترك أنْ يصلَّى كلُّ مكتوبةٍ في جماعةٍ٢، حتى لا يخلو٣ جماعةٌ مقيمون أومسافرون من أن يُصَلَّى فيهم٤ صلاة جماعةٍ، فلا أرخِّص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلَّا من عذرٍ.
وإنْ تخلَّف أحدٌ فصلَّاها منفردًا لم تكن عليه إعادتها، صلَّاها قبل الإمام أوبعده، إلَّا صلاة الجمعة؛ فإنَّ على من صلَّاها ظهرًا قبل صلاة الإمام كان عليه إعادتها؛ لأنَّ إتيانها فرضٌ». هذا كُلُّه لفظ ابن المنذر.
وقالت الحنفيَّة٥، والمالكية٦: هي سُنةٌ مؤكَّدةٌ، ولكنَّهم يُؤَثِّمُون تارك السُّنن المؤكَّدة، ويصحِّحُون الصَّلاة بدونها، فالخلاف بينهم وبين من قال «إنَّها واجبةٌ، لا شرطٌ» لفظيٌّ٧٨. وكذلك صرَّح بعضهم بالوجوب.
(١) س: «للصلاة».
(٢) ط: «أن لا يحل أن يصلي كل مكتوبة إلا في جماعة».
(٨) قال الكمال بن الهمام في شرح فتح القدير (١/ ٢٤٣): «وحاصل الخلاف في المسألة أنَّها فرض عينٍ إلَّا من عذر .. وفي المفيد: إنَّها واجبة، وتسميتها سنَّة لوجوبها بالسُّنَّة».
قال الموجِبُون: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾[النساء/ ١٠٢].
ووجه الاستدلال بالآية من وجوه:
أحدها: أمرُه سبحانه لهم بالصَّلاة في الجماعة، ثم أعاد هذا الأمر سبحانه مرَّةً ثانيةً في حقِّ الطَّائفة الثَّانية، بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾. وفي هذا دليلٌ على أنَّ الجماعة فرضٌ على الأعيان؛ إذْ لم يسقطها سبحانه عن الطَّائفة الثَّانية بفعل الأولى. ولو كانت الجماعة سُنَّةً لكان أولى الأعذار بسقوطها عذر الخوف. ولو كانت فرض كفاية لسَقَطَت بفعل الطَّائفة الأولى.
ففي الآية دليلٌ على وجوبها على الأعيان. فهذه على ثلاثة أوجه: أمرُهُ بها أوَّلًا. ثُمَّ أمرُهُ بها ثانيًا. وأنَّه لم يرخِّص لهم في تركها حال الخوف.