والثَّانية:١ لا تحصل إلَّا بحضور الصَّلاة في الجماعة. وهذا هو الذي فهمه أعلم الأمَّة٢ وأفقههم من الإجابة، وهم الصَّحابة ﵃.
قال ابن المنذر في «كتاب الأوسط»٣: «روينا عن ابن مسعود وأبي موسى٤ أنَّهما قالا: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يجب من غير عذرٍ فلا صلاة له». وعن عليٍّ٥ أنَّه قال: «من سمع النِّداء ثُمَّ لم يأته٦ فإنَّه لا تجاوز صلاتُه رأسَه، إلَّا من عذر». قال: ورُوِيَ عن عائشة أنَّها قالت: «من سمع النِّداء فلم يجب لم يُرِد خيرًا، ولم يُرَدْ به». وعن أبي هريرة أنَّه قال: «لأَنْ تمتليء أُذُنَا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خيرٌ له من أن يسمع المنادي ثم لا يجيبه»٧.
فهذا وغيره يدلُّ أنَّ الإجابة عند الصَّحابة هي حضور الجماعة، وأنَّ
(١) «واجبة. والثانية» سقطت من س.
(٢) س: «الأئمة».
(٣) (٤/ ١٣٦).
(٤) ض: «ابن أبي موسى».
(٥) هـ وط زيادة: «كرَّم الله وجهه».
(٦) هـ وط: «ثم لم يجب».
(٧) سيأتي تخريج هذه الآثار كلِّها والكلام عليها من كلام المصنِّف قريبًا.
ووجه الاستدلال بالآية: أنَّه سبحانه أمرهم بالركوع، وهو الصَّلاة. وعبَّر عنها بالرُّكوع لأنَّه من أركانها١، والصَّلاة يُعَبَّر عنها بأركانها وواجباتها، كما سمَّاها الله سُجودًا، وقرآنًا، وتسبيحًا. فلا بد لقوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾[البقرة/٤٣] من فائدةٍ أخرى، وليست إلَّا فعلها مع جماعة المصلِّين، والمعيَّة تفيد ذلك.
إذا ثبت هذا فالأمر المقيَّد٢ بصفةٍ أوحالٍ لا يكون المأمور ممتثلًا له٣ إلَّا بالإتيان به على تلك الصِّفة والحال.
فإنْ قيل: فهذا ينتقض بقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾[آل عمران/٤٣]. والمرأة لا يجب عليها حضور الجماعة.