الصلاة

وحديث١ ابن مسعود صريحٌ في أنَّ ذلك لتارك الجمعة أيضًا، فلا تنافي بين الحديثين.

وأمَّا قولكم: «إنَّه منسوخٌ» فما أصعب هذه الدَّعوى، وأصعب إثباتها! فأين شروط النَّسْخ من وجود معارضٍ مقاومٍ متأخِّرٍ؟ ولن تجدوا أنتم ولا أحدٌ من أهل الأرض سبيلًا إلى إثبات ذلك، إلَّا بمجرَّد الدَّعوى.

وقد اتَّخذ كثيرٌ من النَّاس دعوى النَّسخ والإجماع سُلَّمًا إلى إبطال كثيرٍ من السُّنن الثَّابتة عن رسول الله ﷺ، وهذا ليس بالهيِّن.

ولا تُتْرَك٢ لرسول الله ﷺ سُنَّةٌ صحيحةٌ أبدًا بدعوى إجماع ولا دعوى نسخٍ، إلَّا٣ أنْ يُوْجَد ناسخٌ صحيحٌ صريحٌ متأخِّرٌ، نقلَتْه الأُمَّةُ وحَفِظَتْه؛ إذ محالٌ على الأمَّة٤ أنَّ تضيِّع النَّاسخَ الذي يلزمُهَا حفظه، وتحفظ٥ المنسوخ الذي قد بطل العمل به. ولم يبق من الدِّين وكثير من المقلِّدة٦ المتعصِّبين إذا رأَوْا حديثًا يخالف مذهبهم٧ يتلقَّونه بالتَّأويل،

  1. (١) س: «وآخره من حديث».
  2. (٢) س: «ولا يترك».
  3. (٣) ط: «إلى».
  4. (٤) ط: «نقلته الأئمَّة ..». وقوله: «وحفظته .. الأمة» سقطت من س.
  5. (٥) هـ وط: «ويحفظ».
  6. (٦) س: «ولم يكن من الدين ..». ط: «.. من المولدة».
  7. (٧) س: «مذاهبهم».
221

وحَمْله على خلاف ظاهره ما وجدوا إليه سبيلًا. فإذا جاءهم من ذلك ما يغلبهم فزِعُوا إلى دعوى الإجماع على خلافه، فإنْ رأوا من الخلاف ما لا يمكنهم معه١ دعوى الإجماع فزِعُوا إلى القول بأنَّه منسوخٌ!

وليست هذه طريق أئمَّة الإسلام، بل أئمَّة الإسلام كلُّهم على خلاف هذه٢ الطَّريق، وأنَّهم إذا وجدوا لرسول الله ﷺ سُنَّةً صحيحةً صريحةً لم يبطلوها بتأويلٍ، ولا دعوى إجماعٍ، ولانسخٍ. والشَّافعي وأحمد من أعظم النَّاس إنكارًا لذلك. وبالله التَّوفيق.

وإنَّما لم يفعل النَّبيُّ ﷺ ما همَّ به للمانع الذي أخبر أنَّه مَنَعَه منه؛ وهو اشتمال البيوت على مَنْ لا تجب عليه الجماعة، من النِّساء والذُّرِّيَّة، فلو أحرقها عليهم لتعدَّت العقوبة إلى من لا يجب عليه٣، وهذا لا يجوز. كما إذا وَجَبَ الحدُّ على حاملٍ فإنَّه لا يُقَام عليها حتى تضع؛ لئلَّا تَسْرِي العقوبة إلى الحَمْل، ورسول الله ﷺ لا يَهمُّ بما لا يجوز فعله أبدًا.

وقد أجاب عنه بعض أهل العلم بجوابٍ آخر٤، وهو: أنَّ القوم كانوا أخوف لرسول الله ﷺ من أنْ يَسْمَعُوه يقول هذه المقالة، ثم

  1. (١) «دعوى الإجماع .. يمكنهم معه» سقطت من هـ.
  2. (٢) ط: «هذا».
  3. (٣) «الجماعة .. لا يجب عليه» سقطت من س.
  4. (٤) س: «بجواب حسن».
222

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي