وأمَّا قولكم: «إنَّ الحديث يدلُّ على عدم وجوب الجماعة؛ لكونه همَّ بتركها» فممَّا لا يُلْتَفت إليه. ولا يُظَنُّ برسول الله ﷺ أنَّه يهمُّ بعقوبة طائفةٍ من المسلمين بالنَّار، وإحراق بيوتهم لتركهم١ سُنَّةً لم يوجبها الله عليهم ولا رسوله ﷺ. وهو ﷺ لم يخبر أنَّه كان يصلِّي وحده، بل كان يصلِّي جماعةً هو وأعوانه الذين ذهبوا معه إلى تلك البيوت.
وأيضًا فلو صلَّاها وحده لكان هناك واجبان. واجبُ الجماعة، وواجبُ عقوبة العُصاة وجهادهم؛ فتَرَكَ أدنى الواجِبَيْن لأعلاهما، كالحال في صلاة الخوف.
وأمَّا قولكم: «إنَّه إنَّما هَمَّ بعقوبتهم على نفاقهم٢، لا على تخلُّفهم عن الجماعة» فهذا يستلزم محذُوْرَيْن٣: إلغاء ما اعتبره رسول الله ﷺ وعلَّق الحكم به، من التخلُّف عن الجماعة.
والثَّاني: اعتبار ما ألغاه؛ فإنَّه لم يكن يعاقب المنافقين على نفاقهم؛ بل كان يقبل منهم علانيتهم، ويَكِلُ سرائرَهم إلى٤ الله.
(١) ض وس: «بتركهم».
(٢) س: «على اتفاقهم»!
(٣) هـ وط: «محظورين». وفي س زيادة بعده: «اثنين».
(٤) ض: «أسرارهم ..». ط: «.. على».
الدَّليل الخامس: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه»١: أنَّ رجلًا أعمى قال: يا رسول الله، ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله ﷺ أنْ يرخِّص له، فرخَّص له٢، فلمَّا ولَّى دَعَاه، فقال: «هل تسمع النِّداء؟» قال: نعم، قال: «فأَجِب». وهذا الرَّجل هو ابن أمِّ مكتوم. واختُلِف في اسمه، فقيل: عبد الله، وقيل: عَمْرو.
وفي «مسند الإمام أحمد»٣، و«سنن أبي داود»٤، عن عمرو بن أمِّ مكتوم قال: قلتُ: يا رسول الله٥ أنا ضريرٌ، شاسع الدَّار، ولي قائدٌ لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أنْ أُصَلِّي في بيتي؟ قال: «تسمع النِّداء٦؟» قال: نعم، قال: «ما أجِدُ لك رخصةً».
قال المسقطون لوجوبها: هذا أمرُ استحبابٍ، لا أمر إيجابٍ. وقوله: «لا أجد لك رخصةً» أي: إنْ أردْتَ فضيلة الجماعة. قالوا: وهذا منسوخٌ.
قال الموجبون: الأمر المطلق للوجوب، فكيف إذا صرَّح صاحب
(١) حديث (٦٥٣)، بنحوه من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) «فرخص له» سقطت من ض. وفي س قبلها زيادة: «فيصلي في بيته».
(٣) (٣/ ٤٢٣).
(٤) (٥٥٢). وقد تقدَّم تخريج حديث ابن أم مكتوم (ص/٢٠٨).