«مسنده»١٢، من حديث أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ثلاثةٍ في قريةٍ لا يؤذَّن ولا تقام فيهم الصَّلاة إلَّا استحوذ عليهم الشَّيطان، فعليك بالجماعة؛ فإنَّما يأكل الذِّئبُ القاصيةَ».
فوجه الاستدلال منه: أنَّه أخبر باستحواذ الشَّيطان عليهم بترك صلاة٣ الجماعة، التي شعارها الأذان، وإقامة الصَّلاة. ولو كانت الجماعة٤ ندبًا، يخيَّرُ الرجل بين فعلها وتركها لما استحوذ الشيطان على تاركها وتارك شعارها٥.
الدَّليل الحادي عشر: ما رواه مسلمٌ في «صحيحه»٦، من حديث
(١) (٥/ ١٩٦). وأخرجه النَّسائي (٨٤٨)، وابن خزيمة (١٤٨٦)، وابن حبَّان (٢١٠١)، والحاكم (١/ ٣٧٤) وقال: «صحيح الإسناد»، وغيرهم، من طريق زائدة بن قدامة عن السائب بن حبيش الكلاعي عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدَّرداء ﵁ به. وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، والنَّووي في الخلاصة (١/ ٢٧٧)، وابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٣٨٧).
(٢) «في مسنده» ليست في ض وس.
(٣) «صلاة» ليست في هـ وط.
(٤) ض: «الصلاة».
(٥) هنا زيادة في س: «الأذان وإقامة الصَّلوات».
(٦) حديث (٦٥٥).
أبي الشعثاء١ المحاربي قال: كُنَّا قعودًا في المسجد، فأذَّنَ المؤذِّن، فقام رجلٌ من المسجد يمشي، فأتْبَعَه أبوهريرة بصَرَه حتى خرج من المسجد، فقال أبوهريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ.
وفي روايةٍ٢: سمعتُ أباهريرة وقد رأى رجلًا يجتاز في المسجد خارجًا بعد الأذان، فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ٣.
ووجه الاستدلال به: أنَّه جعله عاصيًا لرسول الله ﷺ بخروجه٤ بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعةً. ومن يقول: الجماعة ندبٌ يقول: لا يعصي الله ولا رسوله مَنْ خرج بعد الأذان وصلَّى وحده!
وقد احتجَّ ابن المنذر في «كتابه»٥ على وجوب الجماعة بهذا الحديث، وقال: «لو كان المرءُ مخيَّرًا في ترك الجماعة أوإتيانها لم يجز٦ أنْ يعصي من تخلَّف عمَّا لا يجب عليه أنْ يحضره».
والذي يقول: صلاة الجماعة ندبٌ، إنْ شاء فعلها وإنْ شاء تَرَكها=