أبي الشعثاء١ المحاربي قال: كُنَّا قعودًا في المسجد، فأذَّنَ المؤذِّن، فقام رجلٌ من المسجد يمشي، فأتْبَعَه أبوهريرة بصَرَه حتى خرج من المسجد، فقال أبوهريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ.
وفي روايةٍ٢: سمعتُ أباهريرة وقد رأى رجلًا يجتاز في المسجد خارجًا بعد الأذان، فقال: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ٣.
ووجه الاستدلال به: أنَّه جعله عاصيًا لرسول الله ﷺ بخروجه٤ بعد الأذان؛ لتركه الصلاة جماعةً. ومن يقول: الجماعة ندبٌ يقول: لا يعصي الله ولا رسوله مَنْ خرج بعد الأذان وصلَّى وحده!
وقد احتجَّ ابن المنذر في «كتابه»٥ على وجوب الجماعة بهذا الحديث، وقال: «لو كان المرءُ مخيَّرًا في ترك الجماعة أوإتيانها لم يجز٦ أنْ يعصي من تخلَّف عمَّا لا يجب عليه أنْ يحضره».
والذي يقول: صلاة الجماعة ندبٌ، إنْ شاء فعلها وإنْ شاء تَرَكها=
(١) س: «الشعباء»!
(٢) لمسلمٍ أيضًا حديث (٦٥٥).
(٣) «وفي رواية .. أبا القاسم ﷺ» سقطت من ض وس.
(٤) س زيادة هنا: «من المسجد».
(٥) الأوسط (٤/ ١٣٥).
(٦) هـ: «لم يخبر»!
يجوِّز للرجل أنْ يخرج من المسجد وقد أخذ المؤذِّن في إقامة الصَّلاة، بل يجوِّز له أن يجلس فلا يصلِّي مع الإمام والجماعة، فإذا صلَّوا قام١ فصلَّى وحده! ولو رأى رسول الله ﷺ وأصحابه من يفعل هذا لأنكروا٢ عليه غاية الإنكار.
بل قد أنْكَرَ ما هو دون هذا، وهو٣ على مَنْ لا يصلِّي مع الجماعة اكتفاءً بصلاته في رَحْلِه، وقال: «مالَكَ لا٤ تصلِّي معنا؟ ألسْتَ برجلٍ مسلمٍ؟»٥.
وأَمَرَ بالصَّلاة في الجماعة لمن صلَّى ثُمَّ أتى مسجد الجماعة، فقال: «إذا صلَّيْتُما في رحالكما٦ ثُمَّ أتيتما مسجد جماعةٍ فصلِّيا معهم، فإنَّها لكما٧ نافلة»٨.