وقال عبد الرزَّاق١: عن الثَّوري٢ عن ليث عن مجاهد قال: سأل٣ رجلٌ ابنَ عباس، فقال: رجلٌ يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل، لا يشهد جمعةً ولا جماعةً؟ فقال ابن عباسٍ: «هو في النَّار». ثم جاء الغد، فسأله عن ذلك، فقال: «هو في النَّار». قال: فاختلف إليه قريبًا من شهرٍ يسأله٤ عن ذلك ويقول ابن عباس: «هو في النَّار».
فهذه نصوص الصَّحابة كما تراها صِحَّةً وشهرةً وانتشارًا، ولم يجئ عن صحابيٍّ واحدٍ خلاف ذلك. وكلٌّ من هذه الآثار دليلٌ مستقلٌّ في المسألة لو كان وحده٥، فكيف إذا تعاضدت وتضافرت؟! وبالله التَّوفيق.
فصْلٌ
وأمَّا المسألة الثَّامنة٦، وهي: هل الجماعة شرْطٌ في صِحَّة الصَّلاة أم لا؟ فاختلف الموجبون لها في ذلك، على قولين:
(١) حديث (١٩٩٠). وأخرجه من طريقه ابن المنذر في الأوسط (٤/ ١٣٧).
(٢) «عن الثوري» سقطت من هـ وط.
(٣) هـ: «فسأل».
(٤) هـ: «فسأله».
(٥) «لو كان وحده» سقطت من س.
(٦) هـ: «الثامن». ض وط: «السابعة». وتقدَّم كونه غلطًا متواليًا في العد.
أحدهما: أنَّها فرضٌ، يأثم تاركها، وتبرأ ذِمَّته بصلاته وحْده. وهذا قول أكثر المتأخِّرين من أصحاب أحمد١. ونصَّ عليه أحمد في رواية حنبل، فقال: «إجابة الدَّاعي إلى الصَّلاة فرضٌ، ولو أنَّ رجلًا قال: هي عندي سُنَّةٌ، أُصلِّيها في بيتي مثل الوتر وغيره لكان خلاف الحديث، وصلاته جائزة».
وعنه روايةٌ ثانيةٌ، ذكرها أبو الحسن ابن الزَّاغوني٢ في كتاب «الإقناع»٣: أنَّها شرطٌ للصِّحَّة، فلا تصحُّ صلاة من صلَّى وحْدَه. وحكاه القاضي عن بعض الأصحاب، واختاره أبوالوفاء ابن عقيل،
(٢) «ابن» ليست في هـ وط. س: «الزاعوني»، ط: «الزعفراني»! وهو أبوالحسن علي بن عبيد الله بن نصر بن عبيد الله بن سهل بن الزَّاغُونِي البغدادي، شيخ الحنابلة ببغداد، كان إمامًا فقيهًا، متبحِّرًا في الأصول والفروع، متفنِّنًا، واعظًا، مشهورًا بالصَّلاح والدِّيانة والورع والصِّيانة، كثير التَّصانيف، توفي سنة ٥٢٧ هـ، ترجمته في: الذيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٠١)، والسِّير للذَّهبي (١٩/ ٦٠٥)، وتاريخ الإسلام (٣٦/ ١٥٤).
(٣) وفي الإنصاف للمرداوي (٤/ ٢٦٥): «في الواضح والإقناع». وقد ذكر ابن رجب في الذَّيل على طبقات الحنابلة (١/ ٤٠٥) أنَّ الإقناع في مجلَّدٍ.