وأبلغ من هذا قوله: «ليس لك من صلاتك إلَّا ما عَقَلت منها»١، فإذا لم يَعْقِل في صلاته إلَّا في جزءٍ واحد كان له من الأجر بقدر ذلك الجزء، وإنْ برِئَت ذِمَّتُه من الصلاة. فهكذا المصلِّي وحده، له جزءٌ واحدٌ من الأجر، وإنْ برِئَت الذِّمَّة٢.
ومثل هذه الصَّلاة لا يُسمِّيها الشَّارع صحيحةً، وإنْ اصْطَلح الفقهاء على تسميتها صلاةً٣؛ فإنَّ الصَّحيح المطلق ما ترتَّبَ عليه أثره، وحصل به مقصوده. وهذه قد فات معظم أثرها، ولم يحصل منها جُلُّ مقصودها، فهي أبعد شيء من الصِّحَّة، وأحسن أحوالها أنْ تَرْفَع عنه العقاب٤، وإنْ حصَّلَت شيئًا من الثواب فهو جزءٌ. وما هذا إلَّا٥ على قول من لا يجعلها شرطًا للصِّحَّة.
وأمَّا مَن جعلها شرطًا لا تصحُّ بدونه فجوابه: أنَّ التفضيل إنَّما هو بين صلاتين صحِيْحَتَين. وصلاة الرَّجل وحده إنَّما تكون صحيحةً للعُذْر، وأمَّا بدون العذر فلا صلاة له، كما قال الصَّحابة ﵃.
(١) لم أقف عليه، وقد عزاه إلى ابن عبَّاسٍ موقوفًا عليه من كلامه غير واحدٍ.
(٢) «من الصلاة .. الذِّمَّة» سقطت من ض.
(٣) س: «صحيحة».
(٤) س: «ترتفع عنه»، وليس فيه: «العقاب».
(٥) «إلا» سقطت من ض وس.
وهؤلاء لو أجابوا بهذا أورد عليهم منازعوهم أنَّ المعذور يُكَمَّل له أجرُه؛ فأجابوا عن١ ذلك بأنَّه لا يستحقُّ بالفعل إلَّا جزءًا واحدًا. وأمَّا التَّكميل٢ فليس من جِهَة الفعل؛ بل بالنِّيَّة، إذا كان من عادته أنْ يصلِّي جماعةً، فمرض أو حُبِس أو سافر، وتعذَّرت عليه الجماعة، والله يعلم أنَّ من نيَّته أنْ لو قدر على الجماعة لما تركها؛ فهذا يُكَمَّل له أجره، مع أنَّ صلاة الجماعة أفضل من صلاته من حيث العَمَلَين.
قالوا: ويتعيَّن هذا ولا بد؛ فإنَّ النُّصوص قد صرَّحت بأنَّه لا صلاة لمن سمع النِّداء ثم صلَّى وحده؛ فدلَّ على أنَّ من له جزءٌ من سبعة وعشرين جزءًا هو المعذور الذي له صلاة٣.
قالوا: والله تعالى يفضِّل العامل٤ القادر على العاجز وإنْ لم يؤاخذه، فذلك فضله٥ يؤتيه من يشاء.