ومن تأمَّل السُّنَّة حقَّ التَّأمُّل تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرضٌ على الأعيان، إلَّا لعارضٍ يجوز معه ترك الجمعة والجماعة. فترك حضور المسجد لغير عذرٍ كترك أصل الجماعة لعذرٍ، وبهذا تتَّفق١ جميع الأحاديث والآثار.
ولمَّا مات رسول الله ﷺ، وبَلَغ أهلَ مكة موتُه خطَبَهُم سُهَيلُ٢ بن عمروٍ، وكان عتَّاب بن أَسِيد - عامله على مكَّة - قد تَوَارى خوفًا من أهل مكة، فأخرجه سُهَيل، وثبَّت أهل مكَّة على الإسلام. فخطبهم بعد ذلك عتَّابٌ٣، وقال: «يا أهل مكَّة٤، والله لا يبلُغُنِي أنَّ أحدًا منكم تخلَّفَ عن الصَّلاة في المسجد في الجماعة إلَّا ضربتُ عُنُقَه»٥.
وشَكَرَ أصحاب رسول الله ﷺ هذا الصَّنِيع، وزاده رفعةً في أعينهم.
فالذي ندين الله به أنَّه لا يجوز لأحدٍ التخلُّف عن الجماعة في المسجد، إلَّا من عذرٍ. والله أعلم.
(١) ط: «الجماعة لغير عذر». س: «يتفق».
(٢) «أهل» ليست في ض. س: «سهل» وكذا في الموضع التالي بعده.
(٣) ض زيادة: «بن أسيد».
(٤) «على الإسلام .. مكة» سقطت من هـ.
(٥) ذكره بنحوه ابن هشام في السِّيرة (٦/ ٨٩) بلفظ: «فمن رابنا ضربنا عنقه»، وليس فيه: «تخلَّف عن الصَّلاة في المسجد»، ويُنْظَر: البداية لابن كثير (٨/ ١٧٢) وغيره.
فصْلٌ
وأمَّا المسألة العاشرة١، وهي: حكم من نَقَر الصَّلاة، ولم يتمَّ ركوعها ولا سجودها. فهذه المسألة قد شفى فيها٢ رسول الله ﷺ وكفى، وكذلك أصحابه من بعده. فلا مَعْدل لناصحِ نفسِهِ عمَّا جاءت به السُّنَّة في ذلك. ونحن نسوق مذهب رسول الله ﷺ وأصحابه في ذلك بألفاظه.
فعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلَّى، ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ، فرَدَّ عليه السَّلام، فقال: «ارجع، فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصَلِّ» ثلاثًا٣. فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُحْسِن غيره! فعلِّمْنِي. قال: «إذا قُمْتَ إلى الصَّلاة فأسْبِغ الوضوء، ثُمَّ استقبل القِبْلة، فكبِّر، ثُمَّ اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثُمَّ اركع حتى تطمئنَّ راكعًا، ثُمَّ ارفع حتى تعتدل٤ قائمًا، ثُمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثُمَّ ارفع حتى تطمئنَّ جالسًا، ثُمَّ اسجد حتى تطمئنَّ ساجدًا٥، ثُمَّ افعل ذلك في
(٣) «ثلاثًا» ليست في س. وبدلًا منها أعيدت جملة: «فرجع فصلَّى كما صلَّى، ثمَّ جاء فسلَّم على النَّبيِّ ﷺ، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنَّك لم تُصَلِّ» ثلاث مراتٍ.