لفظٍ١: «حتى تعتدل جالسًا»٢. فلم يكتف بمجرَّد الرَّفع كحدِّ السَّيف حتى تحصل الطُّمأنينة والاعتدال. ففيه أمرٌ بالرَّفع، والطُّمأنينة فيه، والاعتدال.
ولا يمكن التمسُّك بما لم يُذْكَر في هذا الحديث على إسقاط وجوبه عند أحدٍ من الأئمَّة؛ فإنَّ الشَّافعي يوجب الفاتحة، والتَّشهُّد الأخير، والصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ، ولم يُذْكَر فيه. وأبو حنيفة يوجب الجلوس مقدار التشهُّد، والخروج من الصَّلاة بالمنافي، ولم يُذْكَر ذلك فيه. ومالكٌ يوجب التَّشهُّد، والسَّلام، ولم يُذْكَر فيه. وأحمد يوجب التَّسبيح في الركوع والسُّجود، والتَّسميع والتَّحميد، وقول: «ربِّ اغفر لي»، ولم يُذْكَر في الحديث. فلا يمكن لأحدٍ أنْ يُسْقِط كُلَّ ما لم يذكر فيه.
فإنْ قيل: فرسول الله ﷺ قد أقرَّه على تلك الصَّلاة مرَّتين، ولو كانت باطلةً لم يقرَّه عليها؛ فإنَّه لا يُقِرُّ على باطلٍ٣.
قيل: كيف يكون قد أقرَّه وهو ﷺ يقول له: «ارجع فصَلِّ، فإنَّك لم تُصَلِّ»؟ فأَمَرَه٤، ونفى عنه مُسَمَّى الصَّلاة التي شرعها، وأيُّ إنكارٍ أبلغ من هذا!
(١) س زيادة: «آخر».
(٢) أخرجه ابن خزيمة (٥٩٠). وصححَّه ابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٦٧٠).
(٣) هـ: «الباطل».
(٤) هـ زيادة: «بالصلاة».
فإنْ قيل: فهو لم يُنْكِر عليه في نفس الصَّلاة.
قيل: نعم؛ لما في ذلك من التَّنفير له، وعدم تمكينه١ من التَّعليم كما ينبغي، كما أقرَّ الذي بال في المسجد على إكمال بولته٢ حتى قَضَاها، ثمَّ علَّمه٣. وهذا من رِفْقِه، وكمال تعليمه، ولطفه. صلوات الله وسلامُه عليه.
فإنْ قيل: فهلَّا قال له في نفس الصلاة: اقطعها.
قيل: كما٤ لم يَقُل للبَائِل: «اقطع بولك»،٥ وأولى. نعم، لو أقرَّهُ على تلك الصَّلاة، ولم يأمره بإعادتها، ولم ينف عنه مسمَّى الصَّلاة الشَّرعية كان فيه متمسَّكًا لكم.
(١) ض وهـ وط: «تمكنه».
(٢) ط: «بوله».
(٣) يشير إلى ما أخرجه مسلمٌ (٢٨٥)، عن أنسٍ ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيٌّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مَهْ مَهْ! قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تُزْرِمُوه، دَعُوْه»، فتركوه حتى بال، ثُمَّ إنَّ رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر؛ إنَّما هي لذكر الله ﷿، والصَّلاة، وقراءة القرآن» .. قال: فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشنَّه عليه.