قيل: نعم؛ لما في ذلك من التَّنفير له، وعدم تمكينه١ من التَّعليم كما ينبغي، كما أقرَّ الذي بال في المسجد على إكمال بولته٢ حتى قَضَاها، ثمَّ علَّمه٣. وهذا من رِفْقِه، وكمال تعليمه، ولطفه. صلوات الله وسلامُه عليه.
فإنْ قيل: فهلَّا قال له في نفس الصلاة: اقطعها.
قيل: كما٤ لم يَقُل للبَائِل: «اقطع بولك»،٥ وأولى. نعم، لو أقرَّهُ على تلك الصَّلاة، ولم يأمره بإعادتها، ولم ينف عنه مسمَّى الصَّلاة الشَّرعية كان فيه متمسَّكًا لكم.
(١) ض وهـ وط: «تمكنه».
(٢) ط: «بوله».
(٣) يشير إلى ما أخرجه مسلمٌ (٢٨٥)، عن أنسٍ ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيٌّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مَهْ مَهْ! قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تُزْرِمُوه، دَعُوْه»، فتركوه حتى بال، ثُمَّ إنَّ رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر؛ إنَّما هي لذكر الله ﷿، والصَّلاة، وقراءة القرآن» .. قال: فأمر رجلًا من القوم، فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشنَّه عليه.
(٤) «كما» ليست في هـ وط.
(٥) ط زيادة: «وهذا».
فإنْ قيل: قوله: «لم تُصَلِّ» أي: لم تصلِّ صلاةً كاملةً.
قلنا: وكذلك نقول سوى أنَّ من لم تصحَّ صلاته لم يُصَلِّ صلاةً كاملةً١، وإنَّما الممتنع أنْ تكون له صلاةٌ صحيحةٌ، قد أخلَّ ببعض مستحبَّاتها، ثم يقول٢ له: «ارجع، فصَلِّ، فإنَّك لم تصل»، هذا في غاية البطلان!
وعن رفاعة بن رافعٍ: أنَّ رسول الله ﷺ بينما هو جالسٌ في المسجد يومًا ونحن معه إذْ جاء رجلٌ كالبَدَويِّ، فصلَّى فأخفَّ صلاته، ثم انْصَرَف، فسَلَّم على النَّبيِّ ﷺ، فقال النَّبيُّ ﷺ: «وعليك٣، فارجع فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصَلِّ». ففعل ذلك مرَّتين أوثلاثًا، كُلَّ ذلك يأتي النَّبيَّ ﷺ، فيُسلِّم على النَّبيِّ ﷺ، فيقول النَّبيُّ ﷺ٤: «وعليك، فارجع فَصَلِّ؛ فإنَّك لم تُصلِّ». فعاف٥ النَّاس وكبُرَ عليهم أنْ يكون مَنْ أخَفَّ صلاتَه
(١) «قلنا .. كاملة» سقطت من هـ وط.
(٢) ض: «الممتنع أن يصلي صلاة .. أخل بنقض .. ثم أقول».
(٣) «النبي» ليست في ط، وفي هـ زيادة: «له»، و«وعليك» ليست في س.
(٤) «فيسلم على .. فيقول النَّبيُّ ﷺ» ليست في ض.
(٥) كلمة «فعاف» كذا وقعت في النُّسخ كلِّها. وهكذا هي في مخطوطة السنن - نسخة الكروخي (٢٥/ب)، وصحَّح عليها، وكتب في هامشها: «فخاف»، وكأنَّها إشارة إلى نسخةٍ. وفي طبعة بشَّار عوَّاد من سُنن التِّرمذي (١/ ٣٣٣) وطبعة شعيب الأرناؤوط (١/ ٣٥٦)، وفي شرح السُّنَّة للبغوي (٥٥٣)؛ حيث أخرج الحديث من طريق التِّرمذي، وفي جامع الأصول لابن الأثير (٥/ ٤٢٠)؛ حيث نصَّ على سياق الترمذي. وأشار بشَّار إلى أنَّه وقع في بعض النسخ: «فخاف»، وخطَّأه. بينما صوَّب الشيخ أحمد شاكر في طبعته للسُّنن (١/ ١٠٢) «فخاف» وأثبتها، وخطَّأَ في هامشه ما هنا. وهو كذلك في المطبوع من صحيح ابن خزيمة (٥٤٥).