وسرُّ ذلك: أنَّه بإيجاز القيام وإطالة الركوع والسجود والاعتدالين١ تصير الصَّلاة تامَّة؛ لاعتدالها وتقاربها، فيَصْدُق قوله: «ما رأيتُ أوجز ولا أتمَّ من صلاة رسول الله ﷺ». وهذا هو الذي كان٢ يعتمده صلوات الله وسلامه عليه في صلاته؛ فإنَّه كان يعدلها، حيث يعتدل قيامها، وركوعها، وسجودها، واعتدالها.
ففي «الصَّحيحين»٣ عن البراء بن عازب قال: «رَمَقْتُ الصلاة مع محمد ﷺ، فوجدتُ قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسَجْدَته، فجلسته بين السَّجدتين، فسَجْدَته، فجلسته ما بين التَّسليم والانصراف= قريبًا من السواء». وفي لفظٍ لهما٤: «كانت صلاة رسول الله ﷺ، قيامه، وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السَّجدتين= قريبًا من السَّواء».
ولا يناقض٥ هذا ما رواه البخاريُّ٦ في هذا الحديث: «كان
(١) «وسر ذلك .. والاعتدالين» سقطت من س وهـ.
(٢) ض: «وكان هذا الذي».
(٣) البخاري (٨٢٠)، ومسلم (٤٧١)، وهذا لفظ مسلمٍ.
(٤) البخاري (٨٠١)، ومسلم (٤٧١)، وهذا لفظ مسلمٍ.
(٥) س: «ينتاقض».
(٦) حديث (٧٩٢).
ركوع النَّبيِّ ﷺ، وسجوده، وبين١ السَّجدتين، وإذا رفع رأسه، ما٢ خلا القيام والقعود قريبًا من السَّواء»؛ فإنَّ البراء هو القائل هذا وهذا؛ فإنَّه في السِّياق الأول أدخل في ذلك قيام القراءة، وجلوس التشهُّد.
وليس مراده أنَّهما بقدر ركوعه وسجوده، وإلَّا ناقض السِّياقَ الثَّاني٣؛ وإنَّما المراد أنَّ طولهما كان مناسبًا لطول الرُّكوع والسُّجود والاعتدالين، بحيث لا يظهر التَّفاوت الشَّديد في طول هذا وقِصَر هذا؛ كما يفعله كثيرٌ ممَّن٤ لا علم عنده بالسُّنَّة، يُطيل القيام جدًّا، ويخفِّف الركوع والسُّجود، وكثيرًا ما يفعلون هذا في التراويح! وهذا هو الذي أنكره أنسٌ بقوله: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من صلاة٥ رسول الله ﷺ»؛ فإنَّ كثيرًا من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جدًّا، فيثقل على المأمومين، ويخفِّف الركوع والسُّجود والاعتدالين، فلا يكمل الصَّلاة.
فالأمران اللَّذان وصف بهما أنسٌ صلاةَ رسول الله ﷺ هما اللَّذان كان الأمراء يخالفونهما، وصار ذلك - أعني: تقصير الاعتدالين - شعارًا، حتى
(١) ط: «وما بين».
(٢) «ما» ليست في ض وهـ.
(٣) هـ: «السياق الأول الثاني»، ط: «الأول والثاني».