ويدلُّ عليه ما رواه مسلمٌ في «صحيحه»١، من حديث شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يقرأ في الظُّهر بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾[اللَّيل/١]، وفي العصر نحو ذلك٢، وفي الصُّبح أطول من ذلك».
وفي «صحيح مسلمٍ»٣، عن زهير عن سماك بن حرب٤ قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النَّبي ﷺ، فقال: «كان يخفِّف الصَّلاة، ولا يصلِّي صلاة هؤلاء». قال: وأنبأني أنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾[ق/١] ونحوها.
فأخبر أنَّ هذا كان تخفيفه. وهذا ممَّا يبيِّن أنَّ قوله: «وكانت صلاته بعدُ٥ تخفيفًا» أي: بعد الفجر؛ فإنَّه جمع بين وصف صلاة رسول الله ﷺ بالتَّخفيف، وبين قراءته فيها بـ ﴿ق﴾، ونحوها.
وقد ثبت في «الصَّحِيح»٦، عن أمِّ سلمة: أنَّها سمعت النَّبيَّ ﷺ
(١) حديث (٤٥٩).
(٢) هـ وط: «بنحو».
(٣) الموضع السَّابق.
(٤) هـ وط: «حارث» تحريفٌ!
(٥) س: «تعد».
(٦) البخاري (١٦١٩) بمعناه.
يقرأ في الفجر بالطُّور، في حجَّة الوداع، وهي تطوف من [وراء١] النَّاس، تسمع قراءته. وما عاش بعد حجَّة الوداع٢ إلَّا قليلًا. والطُّور قريبٌ٣ من ﴿ق﴾.
وفي٤ «الصَّحِيح»٥، عن ابن عباس أنَّه قال: إنَّ أمَّ الفضل سمِعَتْهُ وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾[المرسلات/١]، فقالت: «يا بُنيَّ لقد ذكَّرْتَنِي بقراءَتِك هذه السُّورة، فإنَّها لآخر ما سمعتُ من النَّبيِّ٦ﷺ يقرأ بها في المغرب».
فقد أخْبَرَت أمُّ الفضل أنَّ ذلك آخر ما سمِعَتْهُ يقرأ بها في المغرب، وأمُّ الفضل لم تكن من المهاجرات٧، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباسٍ: «كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين الذين عذر الله»٨. فهذا السَّماع كان متأخِّرًا بعد فتح مكة قطعًا.
(١) «وراء» ليست في النُّسخ كلِّها، وتمام السياق والمعنى يقتضي إثباتها.