وفيه دليلٌ على أنَّه لا يُكْرَه قراءة السَّجدة في صلاة السِّرِّ، وأنَّ الإمام إذا قرأها سجد، ولا يخيَّر المأمومون بين اتِّباعه وتركِه١، بل يجب عليهم متابعته.
وقال أنسٌ: «صلَّيتُ مع النَّبيِّ ﷺ صلاة الظُّهر، فقرأ لنا بهاتين السُّورتين في الرَّكعتين: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾». رواه النَّسائي٢.
والصَّحابة ﵃ أنكروا٣ على من كان يبالغ في تطويل القيام، وعلى من كان يخفِّف الأركان، ولا سيَّما رُكْنَي الاعتدال، وعلى من كان لا يتمُّ التَّكبير، وعلى من كان يؤخِّر الصَّلاة إلى آخر وقتها، وعلى من كان يتخلَّف عن جماعتها.
وأخبروا عن صلاة رسول الله ﷺ، التي ما زال يصلِّيها حتى مات،
(٢) حديث (٩٧٢)، من طريق محمد بن شجاع المرُّوذي قال حدثنا أبوعبيدة عبد الواحد بن واصل الحدَّاد عن عبد الله بن عبيد قال: سمعت أبا بكر بن النَّضر بن أنسٍ قال: كُنَّا بالطَّفِّ عند أنسٍ ﵁ فصلَّى بهم الظُّهر، فلمَّا فَرَغ قال: «إنِّي صَلَّيْتُ مع النَّبي ﷺ ..»، فذكره. وقد حسَّنه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٤٤٠)، وفي إسناده أبوبكر بن النَّضر، وهو مجهولٌ.
(٣) هـ: «والصحابة أجمعين ..». و«أنكروا» سقطت من ض.
ولم يذكر أحدٌ منهم أصلًا أنَّه نَقَصَ من صلاته في آخر حياته ﷺ، ولا أنَّ تلك١ الصَّلاة التي كان يصلِّيها منسوخةٌ.
بل استمرَّ خلفاؤُه الرَّاشدون على منهاجه في الصَّلاة، كما استمرُّوا على منهاجه في غيرها. فصلَّى الصِّدِّيق صلاة الصَّبح، فقرأ فيها بالبقرة كلِّها، فلمَّا انصرف منها قالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشَّمس تطلع! قال: «لو طَلَعَت لم تجدنا غافلين»٢.
وكان عمر يصلِّي الصُّبح بالنَّحل، ويونس، وهود، ويوسف، ونحوها من السُّور٣.
(١) هـ: «ولأن ..». و«تلك» ليست في ض.
(٢) أخرجه عبد الرزَّاق (٢٧١١)، وابن أبي شيبة (٣٥٦٥) من طرقٍ عن الزِّهري عن أنسٍ ﵁ بنحوه، وفيه: «فاستفتح البقرة، فقرأها في ركعتين، فقام عمر حين فرغ قال: يغفر الله لك، لقد كادت الشَّمس تطلع قبل أن تسلِّم! قال: لو طَلَعت لألفتنا غير غافلين». وهذا إسنادٌ ظاهر الصِّحَّة. وأخرجه عبد الرزَّاق (٢٧١٢)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٣٧٩) من طريق قتادة عن أنسٍ بنحوه، وفيه: «فقرأ آل عمران».
(٣) أخرج البخاري (٣٧٠٠)، في قصَّة مقتل عمر ﵁، من حديث عمرو بن ميمون، وفيه: «ورُبَّما قرأ سورة يوسف أوالنَّحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع النَّاس ..». وأخرج ابن أبي شيبة (٣٥٦٦) من طريق المعتمر عن الزُّبير بن الخرِّيت عن عبد الله بن شقيق عن الأحنف قال: «صلَّيْتُ خلف عمر الغداة فقرأ يونس وهود ونحوهما». … =