خاويةً على عروشها١. قال: أتعرف هذه الدِّيار؟ قال: ما أعْرَفَني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديارٍ٢ أهلكهم البغي والحسد. إنَّ الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدِّق ذلك أويكذِّبه، والعين تزني، والكفُّ والقَدَم والجَسَد واللِّسان٣، والفَرْج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه».
فأمَّا سهل بن أبي أمامة فقد وثَّقه يحيى بن معين وغيره٤، وروى له مسلمٌ. وأمَّا ابن أبي العَمْياء فمِن٥ أهل بيت المقدس، وهو وإنْ جُهِلَت حاله فقد رواه أبوداود وسكَتَ عنه؛ وهذا يدلُّ على أنَّه حسنٌ عنده٦.
قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ الذي أنكره أنس من تغيير الصَّلاة هو شِدَّة تطويل الأئمَّة لها، وإلَّا تناقضت أحاديث أنس؛ ولهذا جمع بين الإيجاز والإتمام.
وقوله: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من رسول الله ﷺ» ظاهرٌ في إنكاره التَّطويل. وقد جاء هذا مفسَّرًا عن أنس نفسه.
(١) ض: «على عرفها». تحريفٌ!
(٢) ض: «هذه ديار».
(٣) س: «والعين ترى والكف واللسان والقدم والجسد».
(٤) انظر: تهذيب الكمال للمزِّي (١٢/ ١٧٢).
(٥) ض: «فهو من».
(٦) نحو كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة في اقتضاء الصِّراط (١/ ٢٩٨).
فروى النَّسائي١، من حديث العطَّاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالكٍ، فقال:٢ أصلَّيْتُم؟ فقلنا: نعم. قال: «يا جارية هلمِّي لي وَضُوءًا، ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أشبه٣ بصلاة رسول الله ﷺ مِنْ إمامكم هذا». قال زيدٌ: «وكان عمر بن عبد العزيز يتمُّ الركوع والسُّجود، ويخفِّف القِيَام والقُعُود٤». وهو حديثٌ صحيحٌ.
وقد صرَّح بذلك٥ عمران بن الحصين لمَّا صلَّى خلف عليٍّ بالبصرة، قال عمران: «لقد ذكَّرني هذا صلاةَ رسول الله ﷺ،
(١) حديث (٩٨١). وأخرجه أحمد (٣/ ٢٢٥)، وأبويعلى (٣٦٦٩)، وغيرهما، من طريق العطَّاف به. وقال ابن تيميَّة في الاقتضاء (١/ ٢٦٨): «وهذا حديث صحيحٌ، فإنَّ العطَّاف بن خالد المخزومي قال فيه يحيى بن معين غير مرَّةٍ: هو ثقةٌ، وقال أحمد بن حنبل: هو من أهل مكة، ثقةٌ صحيح الحديث، روي عنه نحو مائة حديث، وقال ابن عدي: يروي قريبًا من مائة حديثٍ، ولم أر بحديثه بأسًا إذا حدَّث عنه ثقة». وتُنْظَر ترجمة العطَّاف في: تهذيب الكمال للمزِّي (٢٠/ ١٣٨). وقد تقدَّم للحديث شاهد (ص/٢٩١ - ٢٩٢).