وفي «مسند الإمام أحمد»١، و«سُنن النَّسائي»٢، من حديث عمار بن ياسر أنَّه صلَّى صلاةً٣ فأوجز فيها، فأنكروا ذلك٤، فقال: ألم أُتِمَّ الركوع والسجود؟ قالوا: بلى. قال: «أَمَا إنِّي دعوتُ فيها بدعاءٍ، كان رسول الله ﷺ يدعو به: اللَّهُمَّ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحْيِنِي ما علِمْتَ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرِّضا، والقصد في الفقر والغِنى، ولذَّة النَّظَر إلى وجهك، والشَّوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضرَّاء مُضِرَّة، ومن فتنة مُضِلَّة، اللَّهُمَّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين».
(١) (٤/ ٢٦٤).
(٢) (١٣٠٥). أمَّا حديث النَّسائي فأخرجه أيضًا ابن خزيمة في التَّوحيد (١/ ٢٩)، ومن طريقه ابن حبَّان (١٩٧١)، والحاكم (١/ ٧٠٥) من طرقٍ عن حماد بن زيد عن عطاء بن السَّائب عن أبيه عن عمَّار به. وعطاء قد اختلط؛ ولكنَّ حمَّادًا سمع منه قبل الاختلاط، يُنْظَر: الكواكب النَّيِّرات لابن الكيَّال (ص/٣٢٤). وقد صحَّح الحديث ابن خزيمة وابن حبَّان، والحاكم فقال عقبه: «صحيح الإسناد». وقد تُوبِع السَّائب فيه أيضًا؛ فأخرجه النَّسائي (١٣٠٦)، وأحمد (٤/ ٢٦٤) وغيرهما، من طريق شريك عن أبي هاشم الواسطي عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن عمَّار بنحوه.
(٣) ض: «الغدات» وليس فيه «صلاة»، س: «صلاة الغداة» ثم ضرب على الثانية.
(٤) ض وهـ وط: «فأنكروا عليه».
قالوا: فأين هذه الأحاديث من أحاديث التَّطويل صِحَّةً وكثرةً وصراحةً. وحينئذٍ فيتعيَّن حملها على أنَّها كانت في أوَّل الإسْلام؛ لمَّا كان في المصلين قِلَّة، فلمَّا كثروا، وانتشرت رفعة١ الإسلام شُرِعَ التَّخفيف، وأُمِرَ به؛ لأنَّه أدْعَى إلى القبول٢ ومحبَّة العبادة، فيدخل فيها برغبةٍ، ويخرج٣ منها باشتياقٍ، ويبادر٤ بها الوَسْواس؛ فإنَّها متى طالت استولى الوَسْواس فيها على المصلِّي، فلا يفي ثواب إطالته بنقصان أجره.
قالوا: وكيف يُقاس على رسول الله ﷺ غيرُه من الأئمَّة؟ من٥ محبَّة الصَّحابة له، والقيام خلفَه؛ وسماع٦ صوته بالقرآن غَضًّا كما أُنْزِل، وشِدَّة رغبة القوم في الدِّين، وإقبال قلوبهم على الله، وتفريغها له في العبادة، ولهذا قال: «إنَّ منكم منفِّرين»، ولم يكونوا يَنْفِرُون من طول صلاته ﷺ٧، فالذي كان يحصل للصَّحابة خلفه في الصَّلاة كان
(١) هـ: «رفقة»، ط: «تشرف رفعة». ولعلَّ المعنى المناسب لقوله: «انتشرت رفعة الإسلام» يعني: انتشر أمر ارتفاعه وعلوِّه. والعبارة المشهورة في مثل هذا التَّعبير: «رقعة الإسلام»، يعني: قاعدته وتوسُّعه.