وسُنَّته، ولا نضرب سُنَّته بعضها ببعضٍ، ولا نأخذ منها ما سهل، ونترك منها ما شقَّ علينا؛ لكسلٍ وضعف عزيمةٍ واشتغالٍ بدنيا قد ملأت القلوب، ومَلَكَت الجوارح، وقرَّت بها العيون، بدل قُرَّتِها١ بالصَّلاة.
فصارت أحاديث الرُّخصة في حقِّها شُبْهةً صادَفَت شهوةً، وفتورًا في العزم، وقِلَّة رغبةٍ في بذل الجهد في النَّصيحة في الخدمة، واستسهلت٢ حقَّ الله تعالى.
وجعلت٣ كرمه وغناه من أعظم شبهاتها في التَّفريط فيه، وإضاعته، وفعله بالهوينا٤ تحلَّة القَسَم، ولهجت بقولها: ما استقصى كريمٌ حقَّه قطُّ، وبقولها: حقُّ الله مبنيٌّ على المسامحة والمساهلة والعفو، وحقُّ العباد مبنيٌّ على الشُّحِّ والضِّيق والاستقصاء.
فقامت في خدمة المخلوقين؛ كأنَّها على الفرش الوثيرة، والمراكب الهنيَّة٥، وقامت في حقِّ خدمة ربِّها وفاطرها كأنَّها على الجمر المُحْرِق، تعطيه الفضلة٦ من قواها وزمانها، وتستوفي لنفسها كمال الحظِّ.
(١) س: «قررها».
(٢) ط: «واستهلت».
(٣) هـ: «رجعت».
(٤) هـ: «بالهويئا».
(٥) ط: «الهينة».
(٦) هـ وط: «يعطيه». ض: «بعطيه الفضيلة».
ولم تحفظ١ من السُّنَّة إلَّا «أفتَّان أنت يا معاذ؟»٢، و«أيُّها النَّاس إنَّ منكم منفِّرين»٣! ووَضَعَت٤ الحديث على غير موضعه، ولم تتأمَّل ما قبله وما بعده.
ومن لم تكن٥ قُرَّةُ عيْنِهِ في الصَّلاة، ونعيمُه وسرورُه ولذَّتُه فيها، وحياةُ قلبه، وانشراحُ صدره= فإنَّه لا يناسبه إلَّا هذا الحديث وأمثاله، بل لا يناسبه إلَّا صلاة السُّرَّاق والنَّقَّارين، فنقر٦ الغراب أولى به من استفراغ وسْعِهِ في خدمة ربِّ الأرباب.
وحديث: «أفتَّانٌ أنت يامعاذ»، الذي لم يفهمه، أولى به من حديث: «كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدُنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضَّأ، ثم يُدْرِك رسولَ الله ﷺ في الركعة الأولى»٧!
وحديث صلاته ﷺ الصُّبح بالمعوِّذَتَيْن٨، وكان هذا في السَّفر،