ولم تحفظ١ من السُّنَّة إلَّا «أفتَّان أنت يا معاذ؟»٢، و«أيُّها النَّاس إنَّ منكم منفِّرين»٣! ووَضَعَت٤ الحديث على غير موضعه، ولم تتأمَّل ما قبله وما بعده.
ومن لم تكن٥ قُرَّةُ عيْنِهِ في الصَّلاة، ونعيمُه وسرورُه ولذَّتُه فيها، وحياةُ قلبه، وانشراحُ صدره= فإنَّه لا يناسبه إلَّا هذا الحديث وأمثاله، بل لا يناسبه إلَّا صلاة السُّرَّاق والنَّقَّارين، فنقر٦ الغراب أولى به من استفراغ وسْعِهِ في خدمة ربِّ الأرباب.
وحديث: «أفتَّانٌ أنت يامعاذ»، الذي لم يفهمه، أولى به من حديث: «كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدُنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضَّأ، ثم يُدْرِك رسولَ الله ﷺ في الركعة الأولى»٧!
وحديث صلاته ﷺ الصُّبح بالمعوِّذَتَيْن٨، وكان هذا في السَّفر،
(١) هـ وط: «يحفظ».
(٢) تقدَّم تخريجه (ص/٤).
(٣) تقدَّم تخريجه (ص/٣١٤ - ٣١٥).
(٤) هـ وط: «ووضعه».
(٥) ض: «يكن».
(٦) هـ وط: «فنقرة».
(٧) تقدَّم تخريجه (ص/٣٠٥)، وأنَّه عند مسلمٍ.
(٨) تقدَّم تخريجه قريبًا من حديث عقبة بن عامر ﵁.
أولى به من حديث صلاته في الحضر بمائة آية١ إلى ستِّين٢!
وحديث صلاته ﷺ المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، الذي انفرد ابن ماجه٣ بروايته، أولى به من الحديث الذي رواه البخاري في «صحيحه»٤: «أنَّ رسول الله ﷺ قرأ فيها
(١) «آية» ليست في س.
(٢) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٩)، وأنَّه في الصَّحيحين.
(٣) حديث (٨٣٣). وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (١٢/ ٣٧٧) وأبونعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٦٨)، كلهم من طريق أحمد بن بديل ثنا حفص بن غياث ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵁ به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٤٨): «وظاهر إسناده الصِّحَّة، إلَّا أنَّه معلولٌ، قال الدَّارقطنيُّ: أخطأ فيه بعض رواته». يريد بذلك «أحمد بن بديل»، فهو صدوق صاحب أوهام، ولا يحتمل مثله التفرُّد، وقد تفرَّد برواية هذا الحديث، وعُدَّ ذلك من أوهامه. قال الحافظ ابن عدي في الكامل (١/ ١٨٦): «يروي عن حفص بن غياث وغيره مناكير». وهذا الحديث ممَّا أُنكِرَ عليه كما ذكر الحافظ المزي في تهذيب الكمال (١/ ٢٧١) في ترجمته، ثم نقل عن النَّضر بن محمَّد قال: «ذكرت هذا الحديث لأبي زُرْعَة يعني: الرازي، فقال: من حدَّثك به؟ قلت: ابن بديل، قال: شرٌّ له!». ثم نقل عن البرقاني قال: قال لنا الدَّارقطنيُّ: «تفرَّد به حفص بن غياث عن عبيد الله». قلت: كذا في تهذيب الكمال، والذي في تهذيب التهذيب لابن حجر (١/ ١٧): «تفرَّد به أحمد عن حفص بن غياث». وينظر: فتح الباري لابن رجب (٧/ ٣٠ - ٣٢).