فهو يميل١ من السُّنَّة إلى ما يناسبه، ويأخذ منها بما يوافقه، ويتلطَّف إنْ أحسن٢ في تأويل ما يخالفه، ودفعه بالتي هي أحسن!
ونحن نبرأُ إلى الله من سلوك هذه الطَّريقة، ونسأله أنْ يعافينا ممَّا ابتلى به٣ أربابها، بل ندين الله٤ بكُلِّ ما صحَّ عن رسوله ﷺ، ولا نجعل بعضه لنا وبعضه علينا، فنُقِرُّ مالنا على ظاهره، ونتأوَّل ما علينا على خلاف ظاهره، بل الكُلُّ لنا، لا نفرِّق بين شيءٍ من سُنَنِه، بل نتلقَّاها كُلَّها بالقبول، ونقابلها بالسَّمع والطَّاعة، ونتبعها أين توجَّهت ركائبها٥، وننزل معها أين نزلت مضاربها. فليس الشأن في الأخذ ببعض سُنَّة رسول الله ﷺ، وترك بعضها؛ بل الشأن في الأخذ٦ بجميعها، وتنزيل كُلِّ شيءٍ منها منزلته، ونضعه بموضعه.
فنقول وبالله التَّوفيق: الإيجاز والتَّخفيف المأمور به، والتَّطويل المنهي عنه لا يمكن أنْ يُرْجَع فيه إلى عادة طائفةٍ، وأهل بلدٍ، وأهل
(١) س: «ميل». ض: «فهي تميل».
(٢) هـ وط: «لمن خشن».
(٣) «به» ليست في س.
(٤) ط: «لله».
(٥) س: «ركابها».
(٦) ض: «بالأخذ».
مذهبٍ، ولا إلى شهوة المأمومين ورضاهم، ولا إلى اجتهاد الأئمَّة الذين يصلُّون بالناس، ورأيهم في ذلك؛ فإنَّ ذلك لا ينضبط، وتضطرب١ فيه الآراء والإرادات أعظم اضطراب، ويفسد وضع الصَّلاة، ويصير مقدارها تبعًا لشهوة النَّاس.
ومثل هذا لا تأتي به شريعةٌ؛ بل المرجع في ذلك والتَّحاكم إلى ما كان يفعله من شَرَع الصَّلاة للأمَّة٢، وجاءهم بها من عند الله، وعلَّمهم حقوقها، وحدودها، وهيئاتها، وأركانها. وكان يصلِّي وراءَه الصغير، والكبير، والضعيف، وذو الحاجة٣، ولم يكن بالمدينة إمامٌ غيره، صلوات الله وسلامه عليه.
فالذي كان يفعله صلوات الله وسلامه عليه٤ هو الذي كان يأمر به؛ فإنَّه كان إذا أمر بأمرٍ كان٥ أوَّل الناس وأولاهم أخذًا به، وإذا نهى عن شيءٍ كان أحقَّ الناس وأولاهم بتركه؛ ولهذا قال شعيبٌ صلوات الله وسلامه عليه٦: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾[هود/٨٨].
(١) هـ وط: «ويضطرب».
(٢) ض: «للأيمة».
(٣) هـ وط: «الضَّعيف، والكبير، والصغير، وذو الحاجة».
(٤) هـ وط: «عليه وسلامه».
(٥) «كان» سقطت من ض.
(٦) «هو الذي كان .. وسلامه عليه» سقطت كلُّها من هـ وط.