وقد اتَّفق الصَّحابة ﵃ على أنَّ صلاة رسول الله ﷺ كانت معتدلةً، فكان ركوعه، ورفعه منه، وسجوده، ورفعه منه= مناسبًا لقيامه، فإذا كان يقرأ في الفجر بمائة آية إلى ستِّين آيةً فلا بُدَّ أنْ يكون ركوعُه وسجودُه مناسبًا لذلك؛ ولهذا قال البراء بن عازبٍ: «إنَّ ذلك كلَّه كان قريبًا من السَّواء»١.
وقال عمران بن حصين: «كانت صلاة رسول الله ﷺ معتدلة»٢.
وكذلك كان قيامه باللَّيل وصلاة الكسوف٣.
وقال عبد الله بن عمر: «إنْ كان رسول الله ﷺ ليأمُرُنا بالتَّخفيف، وإنْ كان ليَؤُمُّنا٤ بالصَّافات». رواه الإمام أحمد٥، والنَّسائي٦.
(١) تقدَّم بنحوه (ص/٢٩٤) وأنَّه في الصَّحيحين.
(٢) تقدَّم بنحوه (ص/٣٢١) وتقدم التنبيه على ما فيه.
(٣) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٧ - ٢٩٨).
(٤) هـ: «قيامنا».
(٥) المسند (٢/ ٢٦).
(٦) حديث (٨٢٦). وأخرجه ابن خزيمة (١٦٠٦)، وابن حبَّان (١٨١٧)، من طريق ابن أبي ذئب قال أخبرني الحارث بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر ﵄ به. وقد صحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان. وإسناده حسنٌ، رجاله كلُّهم ثقاتٌ، غير الحارث فلا بأس به. وتُنْظَر ترجمته في: تهذيب الكمال (٥/ ٢٥٥)، وميزان الاعتدال (٢/ ١٧٣).
فهذا أمرُهُ، وهذا فعلُه المفسِّر له، لا ما يظنُّ الغالط المخطئُ، أنَّه كان يأمرهم بالتَّخفيف، ويفعل هو خلاف ما أَمَر به. وقد أمر - صلاة١ الله وسلامه عليه - الأئمَّة أنْ يصلُّوا بالنَّاس كما كان٢ يصلِّي بهم.
ففي «الصَّحِيحَين»٣ عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأَقَمْنَا٤ عنده عشرين ليلةً، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسَأَلَنا عمَّن تركنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّمُوهم، ومُرُوهم، فلْيُصلُّوا٥ صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا، وإذا حَضَرَت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدكم، وليؤمَّكم أكبرُكم، وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». والسِّياق للبُخاري.
فهذا خطابٌ للأئمَّة قطعًا، وإنْ لم يختصَّ بهم. فإذا أَمَرَهم٦ أنْ يُصَلُّوا بصلاته، وأَمَرَهم بالتَّخفيف عُلِمَ بالضَّرورة أنَّ الذي كان يفعله هو الذي٧
(١) س: «صلوات».
(٢) س زيادة: «هو». ض: «كما هو».
(٣) البخاري (٧٢٤٦) وفي مواضع كثيرةٍ أخصر من هذا السياق، ومسلم (٦٧٤).