فهذا أمرُهُ، وهذا فعلُه المفسِّر له، لا ما يظنُّ الغالط المخطئُ، أنَّه كان يأمرهم بالتَّخفيف، ويفعل هو خلاف ما أَمَر به. وقد أمر - صلاة١ الله وسلامه عليه - الأئمَّة أنْ يصلُّوا بالنَّاس كما كان٢ يصلِّي بهم.
ففي «الصَّحِيحَين»٣ عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأَقَمْنَا٤ عنده عشرين ليلةً، وكان رسول الله ﷺ رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسَأَلَنا عمَّن تركنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّمُوهم، ومُرُوهم، فلْيُصلُّوا٥ صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا، وإذا حَضَرَت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدكم، وليؤمَّكم أكبرُكم، وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». والسِّياق للبُخاري.
فهذا خطابٌ للأئمَّة قطعًا، وإنْ لم يختصَّ بهم. فإذا أَمَرَهم٦ أنْ يُصَلُّوا بصلاته، وأَمَرَهم بالتَّخفيف عُلِمَ بالضَّرورة أنَّ الذي كان يفعله هو الذي٧
(١) س: «صلوات».
(٢) س زيادة: «هو». ض: «كما هو».
(٣) البخاري (٧٢٤٦) وفي مواضع كثيرةٍ أخصر من هذا السياق، ومسلم (٦٧٤).
(٤) س: «فأقاما».
(٥) هـ: «فلتصلوا».
(٦) س: «فأمرهم».
(٧) س: «والذي».
أَمَرَ به.
يوضِّحُ ذلك أنَّه ما من فعلٍ في الغالب إلَّا وقد يُسمَّى خفيفًا بالنِّسبة إلى ما هو أطول منه، ويُسمَّى طويلًا بالنِّسبة إلى ما هو أخفُّ منه، فلا حدَّ له في اللُّغة يُرْجَع فيه إليه١. وليس من الأفعال العُرْفِيَّة التي يُرْجَع فيها إلى العُرْف؛ كالحِرْزِ٢، والقبض، وإحياء الموات٣.
والعبادات يُرْجَع٤ إلى الشَّارع، في مقاديرها، وصفاتها، وهيئاتها، كما يُرْجَع إليه في أصلها. فلو جاز الرُّجوع في ذلك إلى عُرف النَّاس وعوائدهم في مسمَّى التَّخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصَّلاة ومقاديرها اختلافًا متباينًا لا ينضبط.
ولهذا لمَّا فهم بعض من نكس الله قلبه أنَّ التَّخفيف المأمور به هو ما يمكن من التَّخفيف اعتقد أنَّ الصَّلاة كلَّما خُفِّفت٥ وأُوجِزَت كانت أفضل! فصار كثيرٌ٦ منهم يمرُّ فيها مرَّ السَّهم، ولا يزيد على «الله أكبر» في الركوع والسُّجود بسرعة، ويكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق
(١) «إليه» ليست في هـ.
(٢) س: «كالحرر» تحريفٌ!
(٣) ط: «الأموات» تحريفٌ!
(٤) ض: «ترجع». وكذا في الموضع التَّالي بعده قريبًا.