وههنا أمرٌ عجيبٌ١، يحصل لمن تفقَّه قلبه في معاني الأسماء والصِّفات٢، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه، بحيث يرى لكُلِّ٣ اسمٍ وصفةٍ موضعًا من صلاته، ومحلًّا منها.
فإنَّه إذا انتصب قائمًا بين يَدَي الرَّب ﵎ شاهد بقلبه قيُّومِيَّته٤.
وإذا قال: «الله أكبر» شاهد كبرياءه.
فإذا قال: «سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك» شاهد بقلبه ربًّا منزَّهًا عن كُلِّ عيبٍ، سالمًا من كُلِّ نقصٍ، محمودًا بكُلِّ حمدٍ. فحَمْدُه يتضمَّنُ وصْفه بكُلِّ كمالٍ، وذلك يستلزم براءَتَه من كُلِّ نقصٍ، تبارك اسمه. فلا يُذْكَر على قليلٍ إلَّا كثَّره، ولا على خيرٍ إلَّا أنْمَاه وبارك فيه٥، ولا على آفةٍ إلَّا أذهبها، ولا على شيطانٍ إلَّا ردَّه خاسئًا داحِرًا.
وكمال الاسم من كمال مسمَّاه، فإذا كان هذا شأن اسمه الذي لا
يضرُّ معه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، فشأن المسمَّى أعْلى وأجلُّ.
و«تعالى جدُّه» أي: ارتفعت عظمتُه، وجلَّت فوق كُلِّ عظمةٍ، وعلا شأنُه على كُلِّ شأنٍ، وقَهَر سلطانُه على كُلِّ سلطانٍ. فتعالى جدُّه أن يكون معه شريكٌ في ملكه وربوبيته، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمنو١ الجنِّ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾[الجن/٣]. فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق٢ الأسماء والصِّفات على قلب العارف بها، غير المعطِّل لحقائقها٣.
فإذا قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم» فقد آوى إلى ركنه الشَّديد، واعتصم بحولِه وقوَّتِه من عدوِّه، الذي يريد أنْ يقطعه عن ربِّه، ويباعده عن قُرْبِه، ليكون أسوأ حالًا٤.
فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الفاتحة/٢] وقف هنيئةً٥
(١) هـ: «مؤمني». ط: «مؤمن».
(٢) هـ: «الكمالات ..». ض: «.. بحقائق».
(٣) س: «بحقائقها».
(٤) س: «من ربه .. ليكونا سواء»، و«حالا» من هـ وط.
(٥) هكذا في جميع النُّسخ، وفي س: «هنئة». وستتكرَّر هذه الكلمة كما أثبتُّه في مواضع تالية. قال النَّووي في شرح صحيح مسلمٍ (٥/ ٩٦): «قوله: «سكت هنيَّة» هي بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد الياء بغير همزة، وهي تصغير هَنَةٍ، أصلها هنوة، فلمَّا صُغِّرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت واوٌ وياءٌ، وسُبِقت إحداهما … =