الصلاة

يضرُّ معه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، فشأن المسمَّى أعْلى وأجلُّ.

و«تعالى جدُّه» أي: ارتفعت عظمتُه، وجلَّت فوق كُلِّ عظمةٍ، وعلا شأنُه على كُلِّ شأنٍ، وقَهَر سلطانُه على كُلِّ سلطانٍ. فتعالى جدُّه أن يكون معه شريكٌ في ملكه وربوبيته، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمنو١ الجنِّ: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ [الجن/٣]. فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق٢ الأسماء والصِّفات على قلب العارف بها، غير المعطِّل لحقائقها٣.

فإذا قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم» فقد آوى إلى ركنه الشَّديد، واعتصم بحولِه وقوَّتِه من عدوِّه، الذي يريد أنْ يقطعه عن ربِّه، ويباعده عن قُرْبِه، ليكون أسوأ حالًا٤.

فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة/٢] وقف هنيئةً٥

  1. (١) هـ: «مؤمني». ط: «مؤمن».
  2. (٢) هـ: «الكمالات ..». ض: «.. بحقائق».
  3. (٣) س: «بحقائقها».
  4. (٤) س: «من ربه .. ليكونا سواء»، و«حالا» من هـ وط.
  5. (٥) هكذا في جميع النُّسخ، وفي س: «هنئة». وستتكرَّر هذه الكلمة كما أثبتُّه في مواضع تالية. قال النَّووي في شرح صحيح مسلمٍ (٥/ ٩٦): «قوله: «سكت هنيَّة» هي بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد الياء بغير همزة، وهي تصغير هَنَةٍ، أصلها هنوة، فلمَّا صُغِّرت صارت هُنَيْوَة، فاجتمعت واوٌ وياءٌ، وسُبِقت إحداهما … =
345

يسيرةً، ينتظر جواب ربِّه له، بقوله: «حمدني عبدي». فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة/٣] انتظر الجواب بقوله: «أثْنى علَيَّ عبدي». فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة/٤] انتظر جوابه: «يمجِّدُني عبدي»١.

فيا لذَّة قلبه، وقُرَّة عينه، وسرور نفسه بقول ربِّه: «عَبْدِي» ثلاث مرَّاتٍ. فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشَّهوات، وغيم النُّفُوس لاسْتُطِيرت٢ فرحًا وسرورًا بقول ربِّها وفاطرها ومعبودها: «حمدني عَبْدي»، و«أثنى عليَّ عَبْدي»، و«مجَّدَني عَبْدي». ثم يكون لقلبه مجالٌ في شهود هذه الأسماء الثَّلاثة، التي هي أصول الأسماء الحُسْنى، وهي: «الله»، و«الرَّب»، و«الرَّحمن».

  1. = … بالسُّكون، فوجب قلب الواو ياءً، فاجتمعت ياءان، فادغمت إحداهما في الأخرى، فصارت هُنَيَّة، ومن همزها فقد أخطأ، ورواه بعضهم: «هنيهَةً»، وهو صحيحٌ أيضًا».
    قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٢٢٩): «وهنيَّة بالنُّون بلفظ التَّصغير، وهو عند الأكثر بتشديد الياء. وذكر عياض والقُرطبي أنَّ أكثر رواة مسلمٍ قالوه بالهمزة .. قال غيره: لا يمنع ذلك إجازة الهمز؛ فقد تقلب الياء همزة، وقد وقع في رواية الكشميهني: «هنيهةً» بقلبها هاء، وهي رواية إسحاق والحميدي في مسنديهما».
  2. (١) «فإذا قال: مالك .. عبدي» سقطت من هـ.
  3. (٢) ض: «وغيم النعوس ..». هـ وط: «.. لاستطيره». س: «.. لاستطربت».
346

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي