خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته١، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنَّة برحمته، والنَّار أيضًا برحمته؛ فإنَّها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنَّته، ويطهِّر بها أدران الموحِّدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته.
فتأمَّل ما في أمره ونهيه، ووصاياه ومواعظه؛ من الرَّحمة البالغة، والنِّعمة السَّابغة، وما في حشو مخلوقاته٢ من الرَّحمة والنِّعمة. فالرحمة٣ هي السَّبب المتَّصل منه بعباده، كما أنَّ العبودية هي السَّبب المتَّصل به منهم٤، فمِنهم إليه العبوديَّة، ومنه إليهم الرَّحمة.
ومن أخصِّ مشاهد هذا الاسم: شهود المصلِّي نصيبه من الرَّحمة، الذي أقامه بين يَدَي ربِّه، وأهَّلَه لعبوديته ومناجاته، وأعطاه٥ ومنع غيره، وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره، وذلك من رحمته٦ به.
فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[الفاتحة/٤] فهنا شهد المجد الذي لا
(١) «وأنزل كتبه برحمته» ليست في س.
(٢) ض وهـ وط: «وما في حشوها».
(٣) «فالرحمة» ليست في هـ.
(٤) «به» ليست في س. و«منهم» ليست في هـ وط.
(٥) ط: «وإعطاءه».
(٦) هـ: «الرحمة».
يليق بسوى الملك الحقِّ المبين؛ فيشهد١ ملكًا قاهرًا، قد دانت له الخليقة، وعَنَت له الوجوه، وذلَّت لعظمته الجبابرة، وخضع لعِزَّته كلُّ عزيزٍ، فيشهد بقلبه:
مَلِيكًا على عَرشِ السَّماء مُهَيْمِنًا٢لِعِزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتسْجُدُ٣
وإذا لم يُعَطِّل٤ حقيقة صفة المُلْكِ أطْلَعَتْهُ على شهود حقائق الأسماء والصِّفات، التي تعطيلها تعطيلٌ لمُلْكِه وجحدٌ له؛ فإنَّ الملِكَ الحقَّ، التَّامَّ المُلْكِ لا يكون إلَّا حيًّا، قيُّومًا، سميعًا، بصيرًا، مُريدًا، قادِرًا، متكلِّمًا، آمِرًا، ناهيًا، مستويًا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي٥ مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحقُّ الرِّضا، ويثيبُه ويكْرِمُه ويُدْنِيه، ويغضب على من يستحقُّ الغضب، ويعاقبه ويهينُه ويقْصِيه؛ فيعذِّب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء٦، ويقرِّب من يشاء، ويُقْصِي من يشاء، له دار عذابٍ٧ وهي
(١) س: «فشهد». وكذا الموضع التالي بعده.
(٢) ط: «ملكا ..». س: «مهيبًا».
(٣) البيت لأميَّة بن أبي الصَّلت، في ديوانه (ص/٣٤). وفيه: «مليكٌ .. مهيمنٌ».