ولا يهمل أمر هذه٢ الواو في قوله: «ربَّنا ولك الحمد»؛ فإنَّه قد نُدِب الأمر بها في «الصَّحيحَين»٣.
وهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما؛ فإنَّ قوله: «ربَّنا» متضمِّنٌ٤ في المعنى: أنت الرَّبُّ والملك القيُّوم، الذي بيديه أَزِمَّة الأمور، وإليه مرجعها، فعطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: «ربَّنا» قولَه: «ولك الحمد»، فتضمَّن ذلك معنى٥ قول الموحِّد: «له الملك وله الحمد».
ثمَّ أخبر عن شأن٦ هذا الحمد، وعظمته قدرًا وصفةً، فقال: «مِلءَ السَّموات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما بينهما، ومِلءَ ما شئتَ من شيءٍ بعد٧». أي: قدر ملءِ العالِم العلوي والسُّفلي، والفضاء الذي بينهما.
(١) «بعد» من س.
(٢) هـ: «هذا».
(٣) البخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١)، من حديث أنسٍ ﵁.
(٤) هـ: «يتضمن».
(٥) س: «بمعنى».
(٦) س: «بيان».
(٧) «بعد» من س.
فهذا الحمد قد ملأ١ الخلق الموجود، وهو يملأ ما يخلقه الرَّبُّ ﵎ بعد ذلك ممَّا يشاؤه، فحمده قد ملأ كلَّ موجودٍ، وملأ ما سيوجد. فهذا أحسن التَّقديرَيْن.
وقيل: «ما شئتَ من شيءٍ» وراء العالم؛ فيكون قوله: «بعد» للزَّمان على الأول، وللمكان على الثَّاني. ثمَّ أتْبَعَ ذلك بقوله٢: «أهلَ الثَّناء والمجْد»، فعاد الأمر بعد الرَّكعة إلى ما افتتح به الصَّلاة قبل الرَّكعة، من الحمد والثَّناء والمجد.
ثمَّ أتْبَعَ ذلك بقوله: «أحق ما قال العبد» تقريرًا لحمده وتمجيده والثَّناء عليه، وأنَّ ذلك أحق ما نَطَق به العبد، ثمَّ أتْبَع ذلك بالاعتراف بالعبوديَّة، وأنَّ ذلك حُكمٌ عامٌّ لجميع العبيد.
ثمَّ عقَّب ذلك بقوله: «لا مانع لما أعطيت، ولامعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَد». وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصَّلاة أيضًا. فيقوله في هذين الموضِعَين اعترافًا بتوحيده، وأنَّ٣ النِّعم كلَّها منه. وهذا يتضمَّن أمورًا: