الصلاة

أحواله١ حالٌ يكون فيها أقرب إلى الله؛ ولهذا كان الدُّعاء في هذا٢ المحلِّ أقرب إلى الإجابة.

ولمَّا خلق الله سبحانه العبد من الأرض كان جديرًا بأنْ لا يخرج عن أصله؛ بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطَّبْع والنَّفس بالخروج عنه؛ فإنَّ العبد لو تُرِكَ وطبعه ودواعي نفسه لتَكَبَّرَ، وأَشِرَ، وخرج عن أصْله الذي خُلِق منه، ولوَثَب٣ على حقِّ ربِّه، من الكبرياء والعَظَمة، فنازعه إيَّاهما؛ فأُمِر بالسُّجود خضوعًا لعظمة ربِّه وفاطره، وخشوعًا٤ له، وتذلُّلًا بين يديه، وانكسارًا له.

فيكون هذا الخشوع، والخضوع، والتذلُّل رادًّا له إلى٥ حكم العبوديَّة، ويتدارك به٦ ما حصل له من الهفوة والغفلة، والإعراض الذي خرج به عن أصله، فَيتَمَثَّل له٧ حقيقة التراب الذي خلق منه.

  1. (١) هـ وط: «الأحوال له».
  2. (٢) «هذا» ليست في ض.
  3. (٣) س: «وتوثب».
  4. (٤) «لعظمة .. وخشوعًا» سقطت من ض.
  5. (٥) هـ وط: «ردا ..». س: «.. له في».
  6. (٦) «به» ليست في ض وهـ وط.
  7. (٧) ض وس: «فيمثل». و«له» سقطت من ض.
362

وهو يضع أشرف شيءٍ منه وأعلاه - وهو الوجه - فيه١، وقد صار أعلاه أسفله؛ خضوعًا بين يَدَي ربِّه الأعلى، وخشوعًا له، وتذلُّلًا لعظمته، واستكانةً لعِزَّته. وهذا غاية خشوع الظَّاهر.

فإنَّ الله سبحانه خَلَقَه من الأرض التي هي مذلَّلةٌ للوطء٢ بالأقدام، واستعمره٣ فيها، وردَّه إليها، ووعده بالإخراج منها، فهي أُمُّه وأبوه وأصْلُه وفصْلُه، فضمَّته٤ حيًّا على ظهرها، وميِّتًا في بطنها، وجُعِلَت له طُهْرًا ومسجدًا، فأُمِر بالسُّجود؛ إذ هو غاية خشوع الظَّاهر، وأجمع العبوديَّة لسائر الأعضاء، فيُعَفِّر وجهه في التُّراب؛ استكانةً وتواضعًا وخضوعًا وإلقاءً باليدين. وقال مسروقٌ لسعيد بن جبير: «يا سعيد٥، ما بقي شيءٌ يُرْغَب٦ فيه إلَّا أن نعفِّر وجوهنا في هذا التَّراب له»٧.

وكان النَّبِيُّ ﷺ لا يتَّقي الأرض بوجهه قصدًا؛ بل إذا اتَّفَق له ذلك

  1. (١) «فيه» ليست في هـ وط.
  2. (٢) س: «للواطيء».
  3. (٣) هـ وط: «واستعمله».
  4. (٤) س: «تظمه».
  5. (٥) «يا سعيد» ليست في هـ وط.
  6. (٦) ض: «نرغب».
  7. (٧) أخرجه أحمد في الزهد (ص/٣٤٩)، وهنَّاد في الزهد (١/ ٣١٢)، وأبونعيم في الحلية (٢/ ٩٦) وغيرهم، من طريق سفيان أويونس عن أبي إسحاق السَّبيعي عن سعيدٍ به.
363

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي