ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرُّون سُجَّدًا عند سماع كلامه، وذمَّ من لا يقع ساجدًا عنده. ولذلك كان قول من أوْجَبَه قويًّا في الدَّليل.
ولمَّا علِمَت السَّحَرة صِدْق موسى وكذب فرعون خَرُّوا سُجَّدًا٣ لربِّهم، فكانت تلك السَّجدة أول سعادتهم، وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السِّحر.
ولذلك أخبر سبحانه عن سُجُود جميع المخلوقات له؛ فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ٤ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٤٩ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ٥﴾[النَّحل/٤٩ - ٥٠]. فأخبر عن إيمانهم بعلوِّه وفوقيَّته، وخضوعهم له بالسُّجود تعظيمًا٦ وإجلالًا.
(١) س زيادة: «له».
(٢) كما في حديث أبي هريرة ﵁ عند مسلمٍ (٨١).
(٣) س وهـ: «سجودا».
(٤) ض: ﴿والأرض﴾!
(٥)﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ من س.
(٦) «تعظيمًا» ليست في س.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾[الحج/١٨]. فالذي حقَّ عليه العذاب١ هو الذي لا يَسْجُد له سبحانه، وهو الذي أهانه بترك السُّجود له، وأخبر أنَّه لا مُكْرِم له، وقد هان على ربِّه، حيث لم يسجد له.
ولما كانت العبوديَّة غاية كمال الإنسان، وقُرْبُه من الله بحسب٢ نصيبه من عبوديَّته٣، وكانت الصَّلاة جامعةً لمتفرِّق العبوديَّة، متضمِّنةً لأقسامها= كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط
منه، وكان السُّجود أفضل أركانها الفِعليَّة، وسرَّها الذي شُرِعَت لأجله، وكان تكرُّره٤ في الصَّلاة أكثر من تكرُّر سائر الأركان، وجعله٥ خاتمة