وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾[الحج/١٨]. فالذي حقَّ عليه العذاب١ هو الذي لا يَسْجُد له سبحانه، وهو الذي أهانه بترك السُّجود له، وأخبر أنَّه لا مُكْرِم له، وقد هان على ربِّه، حيث لم يسجد له.
ولما كانت العبوديَّة غاية كمال الإنسان، وقُرْبُه من الله بحسب٢ نصيبه من عبوديَّته٣، وكانت الصَّلاة جامعةً لمتفرِّق العبوديَّة، متضمِّنةً لأقسامها= كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط
منه، وكان السُّجود أفضل أركانها الفِعليَّة، وسرَّها الذي شُرِعَت لأجله، وكان تكرُّره٤ في الصَّلاة أكثر من تكرُّر سائر الأركان، وجعله٥ خاتمة
(١) «العذاب» سقطت من ض وهـ.
(٢) «بحسب» سقطت من هـ.
(٣) ض زيادة: «غاية».
(٤) ط: «تكريره».
(٥) ض: «وجعل»، س: «وفعل».
الركعة وغايتها، وشُرِع فعله بعد الرُّكوع؛ فإنَّ الركوع توطئةٌ له، ومقدِّمةٌ بين يَدَيه، وشُرِعَ فيه من الثَّناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد: «سبحان ربِّي الأعلى»، فهذا أفضل ما يُقَال فيه. ولم يَرِد عن النَّبِيِّ ﷺ أمره في السُّجود بغيره؛ حيث قال: «اجعلوها في سجودكم»١.
ومَن تَرَكَه عمدًا فصلاتُه باطلةٌ عند كثيرٍ من العُلماء، منهم الإمام أحمد وغيره٢؛ لأنَّه لم يفعل ما أُمِر به.
وكان وصْفُ الرَّبِّ بالعُلُوِّ٣ في هذه الحال في غاية المناسبة؛ لحال السَّاجد الذي قد انحطَّ إلى السُّفُل٤ على وجهه، فذكر علو ربِّه في حال سُفُولِه، وهو٥ كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه، ونزَّه ربَّه عمَّا لايليق به ممَّا يضادُّ عظمَتَه وعلوَّه.
ثم لمَّا شُرِعَ السُّجود بوصف التِّكرار لم يكن بُدٌّ من الفصل بين السَّجدتين، ففَصَل بينهما بركنٍ مقصودٍ، وشَرَع فيه من الدُّعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال العبد المغفرة والرَّحمة والهداية والعافية
(١) تقدَّم تخريجه (ص/٢٧١).
(٢) والرِّواية الثَّانية عن الإمام أحمد أنَّها ليست واجبةً وعليها أكثر الفقهاء، ويُنْظَر: المغني لابن قدامة (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، والإنصاف للمرداوي (٣/ ٦٧٠).