والاستكانة= بقي١ سؤال حاجته واعتذاره وتنصُّلُه٢؛ فشَرَع له أنْ يتمثَّل في الخدمة، فيقصد فعل العبد الذَّليل جاثيًا على ركبَتَيه، كهيئة٣ الملقي نفسه بين يَدَي سيِّده، راغبًا، راهبًا، معتذرًا إليه، مستعديًا٤ إليه على نفسه الأمَّارة بالسُّوء.
ثمَّ شَرَع له تكرار٥ هذه العبوديَّة مرَّةً بعد مرَّةٍ إلى إتمام الأربع، كما شَرَع له تكرير الذِّكر مرَّةً بعد مرَّةٍ٦؛ لأنَّه أبلغ في حصول المقصود، وأدْعى إلى الاستكانة٧ والخضوع.
فلمَّا أكمل ركوع الصَّلاة، وسجودها، وقراءتها، وتسبيحها، وتكبيرها شُرِعَ له أنْ يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشِّع المتذلِّل المستكين٨، جاثيًا على ركبتيه.
ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التَّحيَّات وأفضلها، عوضًا عن تحيَّة
(١) ض: «بغى».
(٢) ض وهـ وط: «وتنضله».
(٣) ض زيادة: «العبد».
(٤) هـ: «مستعيذا». ط: «مسعدا».
(٥) ط: «تكرر».
(٦) «إلى إتمام .. مرة» سقطت من ض.
(٧) س: «وأرعى ..». هـ: «.. استكانته».
(٨) هـ: «المتمسكن».
المخلوق للمخلوق إذا واجَهَه أو دخل عليه. فإنَّ النَّاس يحيُّون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيَّات التي يتَحبَّبُون بها إلى قلوبهم١. فبعضهم يقول: أنعم صباحًا، وبعضهم يقول: لك البقاء والنِّعمة، وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك، وبعضهم يقول: تعيش٢ ألف عام، وبعضهم يسجد للملوك، وبعضهم يسلِّم. فتحيَّاتهم بينهم تتضمَّن ما يحبُّه المُحَيَّا من الأقوال والأفعال.
والمشركون يحيُّون أصنامهم. قال الحسن: «كان أهل الجاهليَّة يتمسَّحُون بأصنامهم، ويقولون: لك الحياة الدَّائمة؛ فلمَّا جاء الإسلام أُمِرُوا أن يجعلوا لله٣ أطيب تلك التَّحيَّات، وأزكاها، وأفضلها»٤.
فـ «التحيَّات٥» هي تحيَّةٌ من العبد للحيِّ الذي لا يموت، وهو سبحانه أولى بتلك التحيَّات من كُلِّ ما سواه؛ فإنَّها تتضمَّن الحياة والبقاء والدَّوام، ولا يستحقُّ أحدٌ هذه التحيَّات إلَّا الحيُّ الباقي الذي لا يموت، ولا يزول ملكُه.