كان المطلوب لرسول الله ﷺ صلاةً مثل الصَّلاة على إبراهيم، وعلى جميع الأنبياء بعده، وآله المؤمنين؛ فلهذا كانت هذه الصَّلاة أكمل ما١ يصلَّى على رسول الله ﷺ بها وأفضل.
فإذا أتى بها المصلِّي أُمِر أنْ يستعيذ بالله من مجامع الشَّرِّ كلِّه؛ فإنَّ الشر إمَّا عذاب الآخرة، وإمَّا٢ سببه. فليس الشرُّ إلَّا العذاب وأسبابه.
والعذاب نوعان: عذابٌ في البَرْزخ، وعذابٌ في الآخرة. وأسبابه الفتنة، وهي نوعان: كُبرى، وصُغرى. فالكُبْرى فتنة الدَّجال وفتنة الممات، والصُّغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتَّوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدَّجَّال؛ فإنَّ المفتون بهما لا يَتَدَاركهما٣.
ثمَّ شُرِع له من الدُّعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته. والدُّعاء في هذا المحلِّ قبل السَّلام أفضل من الدُّعاء بعد السَّلام، وأنفع للدَّاعي٤.
وهكذا كانت عامَّة أدعية النَّبيِّ ﷺ، كلُّها٥ كانت في الصلاة من
(١) «هذه ..» ليست في س. وفي س وهـ وط: «.. ممَّا».
(٢) س: «فإما».
(٣) هـ وط: «فيهما». ط: «لا يتداركها».
(٤) وهو ترجيح شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٠).
(٥) «كلها» ليست في ض.
أولها إلى آخرها. فكان يدعو في الاستفتاح أنواعًا من الدُّعاء، وفي الركوع، وبعد رفع رأسه منه، وفي السُّجود، وبين السَّجدتين، وفي التشهُّد قبل التَّسليم. وعلَّم الصِّدِّيق دعاءً يدعو به في صلاته١. وعلَّم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر٢. وكان إذا دعا لقومٍ أوعلى قومٍ جعله في الصَّلاة بعد الرُّكوع٣.
(١) أخرجه البخاري (٧٧٩)، ومسلم (٢٧٠٥) من حديث أبي بكرٍ ﵁ أنَّه قال للنَّبي ﷺ: علِّمني دعاءً أدعو به فى صلاتي، فقال ﷺ: «قُلْ: اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم».
(٢) أخرجه أحمد (١/ ١٩٩)، وأبوداود (١٤٢٥)، والنَّسائي (١٧٤٥)، والترمذي (٤٦٤)، وابن ماجه (١١٧٨)، وابن خزيمة (١٠٩٥)، وابن حبَّان (٧٢٢)، وغيرهم، من طريق بريد بن أبي مريم أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن عليٍّ ﵁. وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبَّان، وحسَّنه التِّرمذي، وقال: «لا نعرف عن النَّبيِّ ﷺ في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا». ورُوِي من غير هذا الوجه. وصحَّحه النَّووي في الخلاصة (١/ ٤٥٥)، والعراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ١١٠)، وابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٦٣٠)، والألباني في الإرواء (٤٢٩).
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ قَنَت بعد الرُّكوع». لفظ البخاري.