أولها إلى آخرها. فكان يدعو في الاستفتاح أنواعًا من الدُّعاء، وفي الركوع، وبعد رفع رأسه منه، وفي السُّجود، وبين السَّجدتين، وفي التشهُّد قبل التَّسليم. وعلَّم الصِّدِّيق دعاءً يدعو به في صلاته١. وعلَّم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر٢. وكان إذا دعا لقومٍ أوعلى قومٍ جعله في الصَّلاة بعد الرُّكوع٣.
(١) أخرجه البخاري (٧٧٩)، ومسلم (٢٧٠٥) من حديث أبي بكرٍ ﵁ أنَّه قال للنَّبي ﷺ: علِّمني دعاءً أدعو به فى صلاتي، فقال ﷺ: «قُلْ: اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم».
(٢) أخرجه أحمد (١/ ١٩٩)، وأبوداود (١٤٢٥)، والنَّسائي (١٧٤٥)، والترمذي (٤٦٤)، وابن ماجه (١١٧٨)، وابن خزيمة (١٠٩٥)، وابن حبَّان (٧٢٢)، وغيرهم، من طريق بريد بن أبي مريم أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن عليٍّ ﵁. وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن حبَّان، وحسَّنه التِّرمذي، وقال: «لا نعرف عن النَّبيِّ ﷺ في القنوت في الوتر شيئًا أحسن من هذا». ورُوِي من غير هذا الوجه. وصحَّحه النَّووي في الخلاصة (١/ ٤٥٥)، والعراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ١١٠)، وابن الملقِّن في البدر المنير (٣/ ٦٣٠)، والألباني في الإرواء (٤٢٩).
(٣) أخرجه البخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ قَنَت بعد الرُّكوع». لفظ البخاري.
وسِرُّ ذلك١: أنَّ المصلِّي قبل سلامه في محلِّ المناجاة والقُرْبة بين يَدَي ربِّه، فسؤاله في هذه الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يدي ربِّه٢. وقد سُئِل النَّبيُّ ﷺ: أيُّ الدُّعاء أسمع؟ فقال: «جوف اللَّيل، وأدبار الصَّلاة المكتوبة»٣.
وقد يُرَاد بدُبُرِها ما بعد انقضائها، بقرينةٍ تدلُّ عليه؛ كقوله: «تسبِّحُون
(١) هـ وط: «ومن ذلك».
(٢) ض وهـ وط: «بين يديه».
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٩٩)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة (٤٥)، من طريق ابن جريج عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة الباهليِّ ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ: أيُّ الدُّعاء أسمع؟ .. وساقه بنحوه. قال التِّرمذي عقبه: «حديثٌ حسنٌ»، وفي نتائج الأفكار (٢/ ٢٤٧): «حسنٌ غريبٌ». وقد أعلَّ إسناده ابنُ القطَّان الفاسي في بيان الوهم (٢/ ٣٨٥)، وكذا الزَّيلعي في نصب الراية (٢/ ٢٣٥) بالانقطاع بين ابن سابط وأبي أمامة ﵁، ونقلوا عن ابن معين ذكر إرساله، وعدم سماعه منه. وممَّا ذُكِر في علله: عنعنة ابن جريج، وشذوذ إسناده؛ فإنَّه جاء عن جماعةٍ من أصحاب أبي أمامة من رواية أبي أمامة عن عمرو بن عبسة عن النبيِّ ﷺ. ويُنْظَر: نتائج الأفكار لابن حجر (٢/ ٢٤٧). قال التِّرمذي: «وقد رُوِيَ عن أبي ذر وابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: جوف اللَّيل الآخر الدُعاء فيه أفضل أو أرجى أو نحو هذا».