وأمَّا استدلالكم بأحاديث الأمر بالإيجاز فقد بيَّنَّا أنَّ الإيجاز هو٣ الذي كان يفعله، وعليه داوم، حتى قبَضَه الله إليه، فلا يجوز غير هذا ألبتَّة.
وأمَّا قراءتُه في الفجر بالمعوِّذَتَين فهذا إنَّما كان في السَّفر؛ كما هو مصرَّحٌ به في الحديث، والمسافر قد أُبِيح له - أو أُوجِب٤ عليه - قصر الصَّلاة لمشقَّة السَّفر، فأُبِيحَ له تخفيف أركانها، فهلَّا عملتم٥ بقراءَتِه في الحضر بمائة آيةٍ في الفجر!
وأمَّا قراءتُه - صلوات الله عليه وسلامه - بسورة التَّكوير في الفجر فإنْ كان في السَّفر فلا حُجَّة لكم فيه، وإنْ كان في الحضَر فالذي حَكَى عنه ذلك لم يقل: إنَّه كان يواظب على ذلك؛ بل سمعه يقرأ بها مرَّةً، وهذا لا يخالف رواية من٦ رَوَى عنه أنَّه كان يقرأ فيها بالسِّتين إلى المائة، وبـ «ق» ونحوها؛ فإنَّه ﷺ كان يدخل في الصَّلاة وهو يريد إطالتها،
(١) س: «الخرجية». ومعنى «الحرجيَّة» أي: التي يُضيِّقها ويخفِّفها بترك التمهُّل والتَّطويل، مأخوذٌ من «الحرج»، وهو: تجمُّع الشيء وضيقه.
(٢) ط: «فلا يتوقف».
(٣) ض: «هذا».
(٤) ض: «وأوجب».
(٥) هـ: «علمتم» تحريفٌ!
(٦) «لم يقل .. رواية مَنْ» ليست في هـ وط.
فيخفِّفُها لعارضٍ؛ من بكاء صبيٍّ وغيره.
وأمَّا حديث تسبيحه في الركوع والسُّجود ثلاثًا فلا يثبت، والأحاديث الصَّحيحة بخلافه. وهذا السَّعدي مجهولٌ، لا يُعْرف عينُه ولا حاله. وقد قال أنسٌ: إنَّ عمر بن عبد العزيز كان أشبه النَّاس صلاةً برسول الله ﷺ١، وكان مقدار ركوعه وسجوده عشر تسبيحاتٍ٢. وأنسٌ أعلم بذلك من السَّعدي عن أبيه أوعمِّه لو ثبت.
فأين عِلْم من صلَّى مع النَّبِيِّ ﷺ عشر سنين كوامل إلى عِلْم مَنْ لعلَّه٣ لم يصلِّ معه إلَّا تلك الصَّلاة الواحدة، أو صلواتٍ يسيرةٍ؛ فإنَّ عمَّ هذا السَّعدي أوأباه ليس من مشاهير الصَّحابة المداومين الملازمة٤ لرسول الله ﷺ، كملازمه أنسٍ، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وغيرهم ممَّن ذكر صفة صلاته ﷺ وقدرها.
وكيف يقوم ﷺ بعد الركوع حتى يقولوا: «قد نسي»٥، ويسبِّح فيه